كتب حسن عصفور/ اتسعت المطالبة الشعبية الفلسطينية للقيادة الفلسطينية باستخدام الحق السياسي – القانوني الذي منحته الأمم المتحدة لـ”دولة فلسطين” بالتوقيع على معاهدة روما، كي يتاح الذهاب الى المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة دولة الكيان الاسرائيلي عن مجمل جرائمها المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني، جرائم يمكنها أن تكون كفيلة وحدها، باعتقال كل من تسلم منصبا سياسيا وأمنيا وعسكريا في الكيان..
والحملة الشعبية التي تزداد يوما بعد آخر، تنطلق في جوهرها لتشكيل “قوة ضغط وطني – لوبي محلي” على القيادة، التي باتت مترددة ومرتعشة جدا من اتساع ونمو تلك الحركة المطالبة بالذهاب الى المحكمة الجنائية، ولا تقيم الحملة وزنا لسياسة التضليل التي تجندت لها أدوات وأبواق بكل لون، اعلامي وسياسي وقانوني، ترمي الى ارهاب الشعب الفلسطيني من استخدام ذلك السلاح، وآخر تلك البدع ما تروجه تلك “الأوساط المرتعشة هلعا من واشنطن، أن الذهاب الى المحكمة الجنائية محفوف بالمخاطر على الفصائل الفلسطينية، وأن سلاح ملاحقة اسرائيل يمكن أن يرتد على الداخل الفلسطيني..
يبدو أن هذا “الاختراع” التبريري وصل اليه البعض مؤخرا، ليرمي شبه “التواطئ” بعدم الذهاب على الفصائل وهي وحدها المسؤولة، لعبة ساذجة سخيقة، معيبة، لا يقولها طفل ينطق أحرفه الأولى بطريقة لا يفهما أحد، واعتقد صاحبها انها ستكون “السلاح السري التضليلي” للهروب من “ثمن التوقيع” المطلوب شعبيا..
ولأن أكاذيبهم ذات ضجيج لغوي، وبلا سند موضوعي، ليتحدث أهل “الاختراع التضليلي” لماذا لا يتم نيل الحق أولا، اي أن تقوم القيادة الشرعية الرسمية الفلسطينية بالتوقيع على تلك معاهدة روما توقيعا قانونيا، كخطوة حسن نوايا منها نحو شعبها، ثم يتم عرض المرحلة الثانية من ذلك الى نقاش وطني عام، إن كانت القيادة ترى أن ممارسة ذلك الحق به بعض “المخاطر”، ليكن النقاش الوطني العام، وليس رأي الفصائل هو الحكم، رغم أن ذلك ليس هو الطريق الأفضل والأنسب لتحقيق حق الشعب من المجرم المعلوم..
أما أن تراوح القيادة وتطلق بعض من يقوم بعمل تضليلي، ثم يساهم في ترويج أكاذيب، أن الطرف الفلسطيني قد يتهم بارتكاب جرائم حرب، يمكن أن يعاقب عليها، تضليل سياسي لم يتم اللجوء اليه في أي مرحلة فلسطينية، عندما كانت المسألة قيد النقاش في مراحل سابقة، بل أن الموقف العام كان يريد الذهاب مهما كان الثمن الذي يمكن أن يدفعه هذا أو ذاك، اما الاستمرار في لعبة الاختباء والاستغماية التي تمارس مع الشعب الفلسطيني، فهو سلوك لا يليق بمن يتصدر المشهد لقيادة الشعب الفلسطيني..
وتكشف المهزلة نفسها، عندما تسمع أحدهم يقول أننا لن نذهب الى المحكمة قبل جمع وتوثيق “الجرائم الاسرائيلية” كي يكون هناك سلاح قانوني كامل..أي منطق يكمن في مثل هذا الكلام سوى انه يريد الهروب لا اكثر، خلف أي ذريعة تبعده عن الحق المنتظر والمطلوب، اسلوب يشكل أدنى درجات “الرخص السياسي” للهروب من المسؤولية..
ربما كان أكثر احتراما للذات ان تخرج القيادة الرسمية بشكل علني وتصارح شعبها، أنها لأسباب ووضغوط دولية لا تستطيع في هذه المرحلة أن تذهب الى المحكمة الجنائية الدولية، وأنها على طريق ذلك والى حين ظروف مناسبة أفضل ستقوم بالتوقيع على معاهدة روما رسميا، وكل الاتفاقات التي تخدم فلسطين، كي يبقى الحق قائما في استخدامه بـ”اللحظة السياسية المناسبة”، عل تلك الخطوة والمكاشفة واحترام عقل الانسان الفلسطيني يجد تفهما لها أكثر كثيرا من كل “اكاذيب التسويق الرخيص” وحفلة النصب العام المفتوحة من قبل البعض لعدم التوقيع..
بالتأكيد لن يجد من يروج أن سبب تعطيل التوقيع على الاتفاقات الدولية الخاصة بملاحقة دولة الكيان، هي الفصائل من يصدق تلك الكذبة السخيفة، بل سيصبح هو ومن أمره بترويجها محلا للتندر غير المسبوق بين أوساط شعب لا يمكن خداعه، حتى لو تظاهر بالصمت أو عدم الرد على تلك الادعاءات الساذجة..
احترام الانسان الفلسطيني واجب مقدس للقيادة التي تمثله، اي قيادة، ولكن تفقد كثيرا من شرعيتها إن لجأت للكذب السياسي المتواصل..حكمة يجب ان يدركها صاحب القرار قبل فوات الآوان!
ملاحظة: تصريحات رئيس الوفد الموحد لمفاوضات “كوبري القبة” قد تثير البلبلة..يقول أن هناك اتفاق على غالبية النقاط..وتبقى القليل..هل القليل هو الحاسم – الجوهري لمنع اعلان الاتفاق أم أنه تحسبا لمسألة أخرى!
تنويه خاص: صيد كاميرا الوكالة الفرنسية لورقة الموقف الفلسطيني وتصويرها ثم ترجمة ما بها، يشكل اللقطة الأهم في كل مفاوضات “القبة”..نادرة لا قبلها ولا نظن تكرارها وتستحق جائزة من نوع “خاص”!


