كتب حسن عصفور/ منذ انطلاق جولة مفاوضات “كوبري القبة” في القاهرة، بين الوفد الفلسطيني والاسرائيلي حول وقف العدوان واطلاق النار، ثم رفع الحصار نهائيا، ومسألة مطار قطاع غزة، الذي اسمه الرسمي والقانوني “مطار ياسر عرفات الدولي”، احتلت مكانة خاصة الى جانب الميناء، واعتبرها البعض “شرطا” لا دونه للتوصل الى اتفاق..
ولأن القضية احتلت ما احتلت من اهتمام تفاوضي واعلامي، كان لزاما التذكير بما كان “الغائب الأكبر” في تناول قضية المطار، والتي تختلف بشكل ما عن قضية الميناء، حيث الميناء جاء وضعه “كشرط” من قبل جانب وزير الخارجية القطري خالد العطية في اجتماع وزاري عربي عقد لمناقشة العدوان، وجاء الموقف القطري مفاجأة للوزارء العرب، تحت “يافطة” فتح معبر بحري لفك الحصار وادخال المساعدات ومواد الإعمار الى قطاع غزة..
وبعيدا عن نوايا قطر ووزيرها، وقيام حماس بالتمسك بالمقترح القطري لاحقا، والذي كان يرمي فيما يرمي للتشكيك بمصر دورا ومواقفا، ولعبة لتكريس حالة “انفصال” القطاع عن جسده الأم، لكن ليس هذه المسألة المراد بحثها اليوم، فما يجب العودة للتفكير به سياسيا وتفاوضيا هو “الجريمة الاسرائيلية الكبرى” ضد مطار الخالد ياسر عرفات، حيث تم افتتاح المطار رسميا في مشهد تاريخي لن تمحوه السنين، عندما هبطت طائرة الخطوط الفلسطينية رافعة علم وراية الوطن، لحظة أن وطأت عجلاتها أرض المطار في يوم 23 نوفمبر عام 1998، لحظة ادرك معها الفلسطيني أن الحلم بات حقيقة..بات له مطار وخطوط طيران كسمة من سمات الدولة القادمة..
واستقبل المطار الرئيس الأميركي بيل كلينتون في يوم 14 ديسمبر 1998 في زيارة “تاريخية” لفلسطين عبر قطاع غزة، كان مشهدا خاصا جدا بحضور رئيس الدولة التي تتحكم بدفة القيادة السياسية للعالم، بعد غياب الاتحاد السوفيتي الصديق الأوفى لفلسطين والعرب، زيارة أكدت أن فلسطين قادمة رغم كل المؤامرت التي تحيط بها..
ولأن المطار كان عنوانا من عناوين رحلة “الاستقلال الوطني” كان ايضا أحد العناوين الأولى للعدوان الاسرائيلي الذي بدأ ضد الشعب الفلسطيني في نهاية عام 2000 ردا على رفض الزعيم الخالد ياسر عرفات توقيع “وثيقة الاستسلام الروحي – السياسي” في قمة كمب ديفيد، مدركا أنها وثيقة تدمير المقدسات وهدم المسجد الأقصى، فكانت الحرب الأشمل عسكريا ضد الضفة والقطاع، مهدت السبيل لاعادة احتلال الضفة وحصار الرئيس الشهيد، وتدمير كل مؤسسات السلطة، ومنها مطار عرفات..
بدأ قصفه الأول في نهاية ديسمبر عام 2001 وفي يناير من عام 2002 كانت عملية التدمير الشاملة للمطار، والتي أمر بها رئيس الطغمة الفاشية الحاكمة آنذاك اريك شارون، كان يعلم يقينا أن تدمير المطار سيصيب الفلسطيني اصابة بالغة لما مثله ذلك الصرح الوطني من مكآنة وتقدير نحو الاستقلال الوطني، لذا نحن أمام هنا أمام جريمة اسرائيلية، يجب أن يتم ملاحقتها حاسبها عليها، وأن تدفع ثمن تلك الجريمة، ولذا كانت فرصة مناسبة للوفد الموحد، ان يفتح ملف تلك الجريمة كما الجرائم الأخرى، وليس البحث عن “إذن” لعمل المطار، وهو الذي تم دفع ثمن افتتاحه في مفاوضات سابقة، فالمطار لم يكن منة أو هبة اسرائيلية، بل كان جزءا من “الثمن المدفوع” خلال مفاوضات أوسلو ثم غزة أريحا لاحقا، وما كان يجب أن يصبح موضوعا هو الجريمة التي يجب أن تحاسب عليها بل وأن يتم اجبارها لدفع ثمن اعادة اعمار المطار وفقا للمعايير الراهنة..
تدمير المطار جريمة شاهدة على ما فعلت يد الارهاب الإسرائيلي، كما هي كل جرائم دولة الارهاب التي تنتظر “قيادة” تدرك أن مسؤوليتها معاقبة المجرم وليس الارتعاش منه، كلما تحدث أحد عن فتح ملف الجرائم، وجريمة تدمير مطار ياسر عرفات الدولي، لا يجب أن تضيع في مسالك البحث أو الاستجداء عن السماح أو ألا سماح باعادة تشغيله، بل والأكثر خزيا أن يعتقد البعض أنه يفاوض على المطار والميناء، دون ادراك ان ذلك جهل فكري وسياسي بما كان..
ليت الوفد الموحد يعيد في جولته القادمة، ونتمنى أن تكون الأخيرة، فتح ملف جريمة تدمير المطار ومحاسبة المجرم، وليس الإذن بتشغيله..المطار حقيقة فلسطينية يجب وفورا اعادة اعماره وتشغيله كأولوية وطنية..من هنا تبدأ حكاية المطار في اعادته للحياة وليس “العك” في مسرب فراغ كلامي!
صحيح، لماذا يتجاهل الوفد الموحد تسمية المطار باسمه مطار ياسرعرفات وليس مطار غزة، سبق أن نبهنا الوفد لها ونعيد التكرار للتذكير ليس أكثر!
ملاحظة: اصاب رئيس “الوفد الموحد” بطلبه من وسائل الاعلام الفلسطينية كافة الالتزام بروح الاتفاق والوحدة..لكن هل يلتزم الوفد ورئيسه بالتعامل مع الاعلام بذات الطريقة “الوحدوية”، أم أنها هناك “خيار وفقوس” في تسريب المعلومات لها..اذا بيحب بنخبره مين ولمين!
تنويه خاص: من المفارقات أن قيادة حماس التقت لتناقش ما حدث وايضا قيادة الجهاد، وكذلك حكومة دولة الكيان..الغائب الأكبر كان “القيادة الفلسطينية”، اكتفت بابلاغ “وفد فتح المصغر” بالوفد الموسع” للرئيس عما جرى..صحيح يقال انها اليوم ستلتقي!


