كتب حسن عصفور/ لا نعرف أهي المصادفة التاريخية التي ربطت بين تصريح الصوت والصورة لرئيس حركة حماس الأول، والرجل القوي فيها د.موسى ابو مرزوق عن الجهوزية الحمساوية للتفاوض المباشر مع دولة الكيان، ومرور 21 عاما على توقيع اتفاق “اعلان المبادئ – اوسلو” في واشنطن عام 1993.. لتكن “رصاصة حماس السياسية” تلك التي أطلقها ابو مرزوق مصادفة لا أكثر، الا انها لن تنتهي بتصريح لاحق من المكتب السياسي أو رئيسه الحالي مشعل، بأن حماس لا تقر المفاوضات “المباشرة” مع اسرائيل، وأنها تعمل في طريق “غير مباشر”..
حماس لم تنف تصريحات د.ابو مرزوق، خاصة وأنه قالها في محطة تلفزية حمساوية خالصة، وبالتالي لا يمكن لأحد اتهام القناة بأنها حرفت أو أخرجت التصريحات من سياقها، أو نصبت “كمين عباسي” له، لذا فحماس لم تنكر ولم تنف تلك التصريحات، لكنها اوضحت أنها لا تفاوض “الآن” اسرائيل مفاوضات مباشرة، ومن هنا تبدأ الحكاية..
تصريح الرئيس الأول لحماس، لم يأت لا سهوا ولا مصادفة، ولا “زلة لسان”، لكنها جاءت مدروسة بعناية شديدة جدا، ومن يرجع للنص سيجد أن تلك العبارات ارسلت مجموعة رسائل لأكثر من طرف، فهي أولا رسالة تهديد سياسي صريح جدا للرئيس محمود عباس، انك لن تستمر في “ابتزاز” حماس مستفيدا من اغلاق قنوات “التواصل المباشر” بين حماس وواشنطن وتل أبيب، لفرض حصار عليها في “مشيختها الخاصة”، وهي تنذره بلا أي التباس أن يعيد النظر في سلوكه منها، ودون ذلك سيكون الطريق أمامها سالكة جدا، لعبور “التحريم السياسي” للمفاوضات المباشرة والعلنية مع دولة الكيان، وربما يكون لتلك التصريحات بعضا من رسالة اكراه سياسي كي تجبر الرئيس عباس بعدم الخروج عن “النص” المطلوب أميركيا وخاصة فيما يتعلق بتهدايدته المتكررة، بنفاذ صبره من حماس وامريكا واسرائيل وفتح والعرب..
فيما لم يغب عن قيادة حماس بتلك الرسالة السياسية أن تقطع الطريق على استخدام نتنياهو لسلوك حماس الغبي خلال الحرب بتلك الحركات الاعدامية التي احيت مشهد داعشي، فسارعت برسالتها، وكان ردا سريعا من خارجية أمريكا على نتنياهو :”حماس ليست داعش”، والجواب الأميركي ما كان ليتأخر كثيرا، بعد أن شرعت باعلان حربها على تنظيم لا يستحق مطلقا تلك الحملة العجيبة..
وبالتأكيد، لم يغب عن قيادة حماس، أن الرسالة وصلت سريعا الى حكومة نتنياهو، حتى وإن عادت بتوضيحها، فالمقصد السياسي لم يكن للتنفيذ الفوري والسريع، لكنه فتح الطريق أمام كسر “المحرم السياسي التفاوضي”، وأصبحت جاهزة له عند “اللحظة المناسبة”، ويبدو أنها لن تتأخر كثيرا..
وتبقى الرسالة الأخطر من وراء تلك التصريحات، وعلها تستفز الرئيس عباس وحركة فتح والقوى الوطنية الأخرى بما فيها الجهاد الاسلامي “الصامتة” على تلك التصريحات، فحماس بتلك الرسالة، أعلنت انها لا تزال تشكل اطارا موازيا لنمظمة التحرير، ويمكنه أن يصبح بديلا ايضا في حال لم يتم تسليمها “حصتها السياسية – التنظيمية” في اطر المنظمة والقيادة، وهو ما يعني ان خالد مشعل يبحث دورا رسميا في القيادة الفلسطينية، منتظرا فعل الزمن مع الرئيس عباس أو “القدر الخاص” عله يرث “القيادة” في لحظة فلسطينية خاصة..
وليس صدفة ابدا قيام دولة قطر بنشر محاضر “لقاء الدوحة الثلاثي”، في هذا التوقيت السياسي “العجيب”، تلك المحاضر التي اظهرت الرئيس عباس كشخصية متوترة عصبية “نزقة جدا”، كارها للجميع الا قطر، ووفده ليس مؤيدا له، في حين كان مشعل “هادئا متزنا” مسؤولا، ووفده منضبطا لما يقول، وكان يأمر فيطاع ..محضر يمكن اعتباره “حملة الدوحة للترويج لمشعل رئيسا بديلا”..
تلك هي الرسائل الأهم التي ارادتها حماس من تصريح صريح حول الاستعداد التفاوضي المباشر مع دولة الكيان، وهي مدركة تمام الادراك أنه ليس الآن، لكنه تفاوض قادم، خاصة وأن العائق المباشر له، ليس “ممانعة حماس” له، ولكنها “تعقيدات الوضع الداخلي الاسرائيلي”، فنتنياهو وحكومته تحتاج كثيرا لترتيب المسرح لانطلاق هكذا مفاوضات مباشرة مع حركة حماس، خاصة وأنه لا يزال يصرخ بأنها كـ”داعش”..
“اعلان حماس التفاوضي” ليس كلاما في الفراغ، ولا هو “سهو سياسي”، لكنه اعلان لمستقبل يتم التحضير له في مناطق مختلفة، مستغلا الحرب العدوانية على قطاع غزة، وما أنتجته من اعادة تموضع شعبية حركة حماس، وقد ينتج تطورا متسارعا لاستغلال “جوع حماس التفاوضي”، وفتح الباب مواربة مع واشنطن قبل ان يفتح باب دولة الكيان، ولن يكون هناك اي مفاجأة لو بدأت في الدوحة مفاوضات “غير رسمية” بين السفير الأميركي وأحد قيادات حماس المتواجدين فيها، لمعرفة جوهر الاعلان والى اين سيقود لاحقا وحقيقة رؤية حماس السياسية لاحقا..
ولعل تصريحات مشعل خلال الحرب على غزة، ان القوانين الأميركية تكبل يد الرئيس اوباما في الاتصال مع حماس..تصريح اسس لاعلان التفاوض المباشر في انتظار فتح الباب، ولو بشكل غير كامل، المهم أن يبدأ حوارا ما ما بين حماس وواشنطن..ومن يعود للتاريخ سيعلم أن أول حوار بين المنظمة وأمريكا بدأ في تونس وعبر سفيرها هناك..
الاعلان لن ينتهي بتوضيح المكتب السياسي ولا تصريح مشعل في تونس، لكنه ينتظر “جوائز الترضية” من اطراف وخاصة أمريكا، ولن تتوقف قطر وتركيا عن الترويج لما أعلنه أبو مرزوق واعتباره ” فتح تاريخي”، ويجب الاستفادة القصوى من هذا “النهج الاعتدالي”، ومن يقرأ تصريحات مشعل في تونس يوم الجمعة 12 سبتمبر – ايلول 2014 عن “الوسطية والاعتدال” الذي تمثله حماس، يدرك قيمة تصريح ابو مزروق سياسيا..
قبل ان تنخرط حماس في مفاوضاتها الخاصة ليتها تعيد قراءة اعلان المبادئ – اوسلو، كي تدرك حقيقته السياسية، وانه لم يكن اتفاقا لسكان بل كان اول اتفاق سياسي تقر به دولة الكيان بفلسطينية الضفة والقطاع ارضا وولاية، وأنها اجبرت أن تكون القدس جزءا من المجلس التشريعي، وان تتولى منظمة التحرير مسؤولية المؤسسات المقدسية وفقا لرسالة بيريز للرئيس عرفات..لكن الأهم الآن أن الاتفاق لم يعد اطارا ولا آلية فقد انتهى الى حيث يجب أن يكون تنفيذ قرار الأمم المتحدة 19/ 67، الذي أعلن دولة فلسطين فوق الأرض المحتلة عام 1967، والذي لم يكن بالامكان الحصول عليه دون اتفاق أوسلو..
ويبقى السؤال لحماس، هل تعترف بقرار الأمم المتحدة الخاص بدولة فلسطين، أم انها ستعتبره قرارا “باطلا” وتتفاوض على جديد، قد يؤدي لـ”دولة مستقلة وكاملة السيادة” في قطاع غزة فقط، تعتبرها خطوة مرحلية انطلاقا من نظريتها لـ “التحليل والتحريم”، مع قبولها بـ”تقاسم جغرافي وظيفي” في الضفة تحت سقف “الهدنة الطويلة مع الاحتلال”!..
ليت قيادة حماس تعلن اعترافها بقرار الأمم المتحدة وتعمل على تحويله لواقع سياسي ملموس، وتساند اعلان القيادة لبحث قرارمجلس أمن لوضع جدول زمني لانهاء الاحتلال عن “دولة فلسطين” فذلك خير من البحث عن قنوات مظلمة لن تمنحها شيئا مضافا دون العمل مع “الجماعة الوطنية” وليس “الجماعة الإخوانية”!
ملاحظة: ما كان للنائب العام الفلسطيني أن يضع ذاته أمام حرج تاريخي باصدار قرار يوم العطلة الرسمية..بما صدر بحق النائب دحلان..عدا عن كونه نائب بحصانة وفق القانون الأساسي.. ما حدث وثيقة تصيب القضاء في مقتل.. ليت النائب العام يتراجع احتراما لفلسطين!
تنويه خاص: هل يشكل طرد بعض قيادات الجماعة الاخوانية من قطر بداية تموضع قطري جديد نحو دول الخليج..المعيار يكون محطتها “الصفراء” وشبكتها الاعلامية الجديدة!


