كتب حسن عصفور/ أعترف قبل كل شيء بأنني لم أحتمل مشاهدة سوى دقائق من المسلسل الذي انتظره الشعب الفلسطيني، مسلسل حياة الرمز الثقافي – الأدبي للشعب وبات عنوانا لهوية، دقائق شعرت معها أن ‘في حضرة الغياب’ يدفع المشاهد لحالة من الغضب الإنساني اللا محدود، مسلسل يأت بممثل يقال إنه يجسد الشاعر الذي تجسدت بشعره وأدبه معان الهوية والوطنية وكرس المقاومة روحا للإنسان الفلسطيني والعربي، ما زال حضوره طاغيا رغم الغياب الذي تحل ذكراه بعد 48 ساعة، لا يمكن لأي مشاهد يعرف أو لا يعرف محمود أن يحس أو يشعر بأن من هو أمامه على شاشة التلفاز له صلة بذاك العملاق الذي تغنى بوطن وكرامة الإنسان وروح الخلود الفلسطيني، من المستحيل أن تجد صلة بمن تشاهد عيناك والشاعر الخالد أدبا وشعرا، إنه حكم بالإعدام ليس على اسم محمود فحسب بل لحساسية ذاك الإنسان وتألقه وحضوره الطاغي دون ضجيج..
دقائق كانت كافية لتحملك إلى السؤال: لماذا يذيع تليفزيون فلسطين هذا المسلسل المهين للشعب قبل الشاعر، بل ولماذا اشتراه من الأصل، هل جاءت العملية وفقا للأسماء التي شاركت في العمل، من مخرج له اسم مدو كنجدت أنزور، أو شاعر التصق غناء بالشاعر إلى حد بعيد، مارسيل خليفة، هل اكتفى المشتري برؤية الأسماء المشاركة ولم يكلف نفسه عناء المشاهدة لبعض دقائق ليرى أي ممثل يمكن أن يكون هذا الذي يتحرك حاملا اسم الرمز، أي ممثل يمكنه أن يؤدي محمود درويش، هل ضن المشتري الفلسطيني على حضور الشاعر ببعض دقائق لمعرفة أين هو محمود في هذا المسلسل الذي جاء ليجسد حضور الغائب الذي لا يغيب..
بعد أن تم عرض المسلسل على الشاشة الوطنية إلى جانب شاشات عربية عدة، بدأ الضجيج الفلسطيني ثم انطلقت ‘ حالة غضب’ من مئات المثقفين لترفض مسلسلا أساء للوطن الفلسطيني قبل الإساءة للشاعر الكبير، غضب اضطر مؤسسة محمود درويش أن تتبرأ من هذا العمل ، وتعلن رفضها له، ولكن المأساة التي تنتظر توضيحا أن يكون المشرف العام على تليفزيون فلسطين الذي اشترى أو حصل على المسلسل مجانا، ويعرضه على شاشته هو من أبرز شخصيات مؤسسة محمود درويش، مفارقة أن يرفض عبر المؤسسة ويشتري ويذيع ما هو مرفوض عبر التليفزيون الذي يشرف عليه إشرافا كاملا، من الألف إلى الياء كما يقال، كيف لنا أن نفسر هذه الغرابة والمفارقة التي لن نجدها في أي مكان في العالم سوى فوق بقايا الوطن الفلسطيني..
بات لزاما أن يصدر بيان بوقف المسلسل من العرض على شاشة تليفزيون فلسطين، وأن تتبرأ فلسطين شعبا وحكما وحكومة من هذا المسلسل الذي يهين رمزنا الأدبي الكبير، ثم تبدأ مرحلة الاعتذارات عن هذه الإساءات التي سببها عرض المسلسل، وتقديم كشف حساب لمن يتحمل مسؤولية هذه الفعلة، وليت أعضاء مؤسسة محمود درويش يتقدمون بالاستقالة جراء المصيبة التي أصابت من لا يستحق منهم ذلك، تلك خطوة هي أقل ما يمكن أن يفعلوه اليوم وقبل فوات الآون، ولا ينفع تبريرا بالقول إنهم لا يعرفون، فلو حدث ذلك فتلك مصيبة يستحق عليها الأعضاء محاكمة كون المسلسل معروف منذ زمن أنه قيد العمل.. لابد من أن يتحمل كل من أساء أو ارتكب خطأ أو قام بتقصير في خروج هذا المسلسل للعلن والأدهى أن يعرض على تليفزيون فلسطين..
عودوا لرؤية مشهد الشاعر على شاشة التليفزيون وتخيلوا لو أن محمود درويش شاهد ذلك ماذا سيقول.. لعله يصرخ من ضريحه.. كفى.. كفى .. أنا لست أنا.. صرخة درويشية تلاحق كل من أهانه في ذكرى الرحيل.. ومسبقا يرفض الشاعر أكاليل الورد التي سيحملها بعض من هم في دائرة الإهانة حتى تصحيحها والاعتذار العلني والحساب..
ملاحظة: وكأن الموت لا يترك مكانا للفلسطيني .. ففي مدينة حماة قتل 5 من أبناء الشعب الفلسطيني..وليرحمهم الله دون أن تنالهم اتهامات من هذا أو ذاك..
تنويه خاص: الإشارة إلى ‘جيش الإسلام’ بخصوص أحداث العريش الأخيرة رسالة إلى أمن حماس في القطاع..
تاريخ : 6/8/2011م


