كتب حسن عصفور/ قلما يكون لحدث او أحداث أن تدخل ارباكا سياسيا، وتخلق حالة من “التيه السياسي” كما هي الحال التي فرضتها تطورات الوضع في شمال العراق ووسط وجنوب الضفة الغربية..
فما حدث في العراق من الموصل وحتى تكريت مرورا بديالى وغيرها، من تقدم سريع ومفاجئ لهزيمة الجيش الرسمي العراقي أمام مجموعات مسلحة اختلط الحال بمعرفة حقيقتها، فمن يستسهل الأمر ليصفها بأنها مجموعات “داعشية” فيما يشار الى انها “تحالف عسكري خاص” تشكل من مجموعات مسلحة مشتقة من “داعش” وقوات من “بقايا جيش صدام” و”فرق سنية عشائرية”.. الا أن الثاتب هنا كيفية تحقيق ما تحقق من “سيطرة خارقة” على عدد من المحافظات، ما كان لها أن تسقط بتلك السهولة لو ان من كان بها من قوات أمن قاتلت فقط لمجرد القتال، لكنها قررت أن تمنح مدن ومحافظاتها لمن دخلها دون أي إنذار أمني مسبق، فيما سمح ذلك لقوات “البيشمركة” الكردية أن تسيطر على محافظة كركوك سيطرة كاملة، وهو الحلم الذي انتظره ” الأكراد” منذ توقيع اتفاق “الحكم الذاتي” في شهر مارس – آذار عام 1973 بين القيادة الكردية برئاسة الراحل مصطفى البرزاني – والد مسعود – وقيادة حزب البعث ووفده برئاسة نائب رئيس مجلس قيادة الثورة في حينه الراحل صدام حسين، حلم تحقق في لحظة لم تكن ضمن “احلام” ابناء البرزاني وتحالفهم..
ومن تابع ردة الفعل الأولى لاحظ أن هناك “فرحا سنيا” عارما ساد المشهد السياسي، واعتقد من اعتقد أنها بداية لانهيار “تحالف شيعي ( فارسي وعراقي) – اميركي، وسارعت اطراف عدة لتبدأ في اعلان “الليالي الملاح” حتى قرضاوي قطر اعتبر الحدث “ثورة سنية عارمة”، ضد “الشيعة” وظلمهم وقهرهم، فيما تسابق “اعداء النظام السوري” للقفز المبكر بأن ملامح النصر دقت، خلافا لموقف تركيا التي أصيبت بحالة من الدوران والهلع السياسي مما اعتبرته “مؤامرة”، لكنها لم تحدد طبيعتها أو أطرافها، وسارعت مجموعات لتعلن عن ولادة “الخلافة الاسلامية” واقامة “دولة الاسم في بلاد الشام”..
ولم تغب روسيا الاتحادية عن المشهد حيث بدأت قولها بتصريح لافت للانتباه جاء على لسان وزير خارجيتها لافروف بأن ما يحدث في العراق يؤكد بما لا يدعو للشك فشل “الحملة البريطانية” على العراق عام 2003.. ونشرت تقارير اشارت الى أن الرئيس الروسي بوتين أخذ يعلن ان “داعش” اثبتت فشل السياسة الأميركية، التي حاولت برير تدخلها في دول محتلفة..
ما يحدث في العراق يحمل مجموعة من الأسباب الكامنة، فبالتأكيد أن احد أوجهها محاولة مشتركة من قوى عراقية مختلفة أن لا مكان لاستمرار المالكي رئيسا للوزراء مرة جديدة، لذا سنجد في الايام القادمة أن الهدف المركزي لاستغلال “الهزيمة الآنية العسكرية” للجيش الرسمي الاطاحة بحلم المالكي، وتشكيل “تحالف سياسي واسع” – شيعي وسني وكردي وقومي وأطياف عدة – هدفه المركزي أن لا للمالكي رئيسا للحكومة..
فيما وجدت الحركة الكردية فرصتها لـ”خطف كركوك” في ظل هزيمة أتت من حيث لا يعلمون، او يعلمون، بينما النظام السوري يشعر انه اكثر المستفيدين مما حدث، رغم ما يبدو من أن ذلك يمس احد أهم حلفائه السياسيين في العراق وايران، لكن الواقع المقبل سيزيح بعض “اللثام – القناع” عن حقيقة ما حدث، خاصة وأنها تصدر رعبا مباشرا لنظام أردوغان منذ بداية الحرب على سوريا، وباتت تركيا ضمن دائرة الاستهداف، ما اجبرها على الاستنجداد بحلفها الحقيقي في الأطلسي..
ولعل روسيا تبقى الأكثر استفادة سياسية وأمنية من المشهد “الداعشي” او ما يمكن القول انه “شبيهه المقنع”، فهي اربكت الحساب الأميركي في سوريا والعراق واوكرانيا وايضا مصر، وارسلت موسكو الرسالة الأهم للعالم أن سياسة اميركا في التدخل تحت ذرائع واهية اسمتها “محاربة الارهاب” فشلت فشلا ذريعا، وستحاول روسيا استغلال سقوط “الهيبة الأميركية” لفرض منطقها بفرض حل سياسي لمناطق التوتر العام، ومنها اوكرانيا وسوريا والعراق وقد يصل الى ليبيا، كمقدمة لاعادة توزيع “النفوذ الدولي” في ظل اعادة “الروح السوفياتية” عبر روسيا الاتحادية..
ولن يكون مفاجئا أن يبدأ الحل من الاطاحة بالمالكي في العراق، وتشكيل “تحالف سياسي واقعي” بين مختلف مكونات العراق ليرسم لوحة مختلفة عن الصدام المستمر، ليصبح خلفية للبدء في الاتخراط بحثا عن “حل سياسي للأزمة السورية” تقوده مصر وروسيا بالتعاون الوثيق جدا مع الامارات والعربية السعودية..قد تبدو تلك “الغاز سياسية”، الا أنها “ألغاز” تحضر من “رحم المشهد المفاجئ” في العراق والمنطقة..
ولأن “الألغاز” لم تعد حكرا على شمال المنطقة العراقية وسوريا، فأنها وصلت الى فلسطين، وتحديد مدينة الخليل في “بقايا الوطن”، باقدام “مجموعة مجهولة” بخطف 3 امنيين – مستوطنيين في الخليل، عملية تماثل في مفاجئتها ما حدث، مما يقال أنه “داعش بالعراق”، خطف واختفاء وسكوت، غير مسبوق من قبل الخاطفين، تمر الأيام ولا يوجد دليل أو مؤشر وكأن الخاطفين والمخطوفين لبسوا ما يعرف في ثقافتنا الشعبية بـ”طاقية الاخفاء”، وبدأت الاجتهادات والتحليلات تصب من كل اتجاه، البعض ربطها بحركات جهادية والآخر نسبها لـ”داعش” انتقاما من تصفية انصار لها، واستكمالا لعملية بناء “دولة الخلافة” في بلاد الشام ومنها فلسطين، فيما رأى البعض أنها عملية خاصة قد تكون مشاركة لأكثر من جهة، بعضها قد يكون “فتحاويون غاضبون” من الرئيس عباس وسياسته العامة والخاصة، مع مجموعات من “حماس” و”الجهاد”، فيما يقول قائل اسرائيلي أنها عملية مشتركة نفذتها “حماس” مع “الجهاد الاسلامي”..ولا زالت التقديرات مستمرة من يقف خلفها..
أما اسباب تلك العملية الخاطفة ، اسمتها اجهزة الاحتلال “اللغز المختفي”، فكل يقول ما يعتقد، وبالطبع السبب الأكثر وجاهة هي أنها ترمي لفرض عملية تبادل جديدة لتحرير اسرى، ولا شك أن ذلك سبب وجيه جدا، خاصة مع فشل مفاوضات – فتح وعباس من تحقيق المراد الذي تم دفع ثمنه، ولو تحقق للخاطفين ما يقال أنه هدف لهم ستكون تلك ضربة قاضية لنهج الرئيس عباس وحركة فتح، تفاوضيا، ودليلا مضافا أن ذلك النهج ليس سوى وهم في وهم..
لكن عملية الخطف ايضا، لا تستبعد توجيه ضربة قاصمة لـ”التنسق الأمني” والذي اعتبره الرئيس عباس “تنسيقا مقدسا”، ورغم الاستفنار الأمني العام، لكل الأجهزة والتنسيق الآني لحظة بلحظة مع أجهزة أمن الاحتلال، فشلوا بالوصول الى المخطوفين والخاطفين، ما سيكون اعلانا صريحا بأ، “مقدس الرئيس الأمني” لا قيمة له في الواقع القائم امام رغبة شعب في رفض استمرار الاحتلال، وايضا رفض التنسيق معه، وهي الضربة التي قد تهز أركان السلطة وأجهزة الرئيس الأمنية، خاصة جهاز المخابرات العامة الذي اصبح مديره الرجل الآقرب لأذن الرئيس..
رسائل الخطف لن تقف عند حدو البعد الامني او البتادلي بل ستضع اول لبنة علنية أن المشهد القائم في الضفة والقطاع – بقايا الوطن – لن يستمر على ما هو عليه، وأن تشكيل حكومة “التنافق الوطني” ليس رداءا للهروب من مسوؤلية الفشل السياسي للقيادة التي تخلت بطوع ذاتي عن استكمال قطار تعزيز “دولة فلسطين” والانضمام للمؤسسات الدولية ومنها “الجنائية الدولية”، التي اصبحت ملاذا مهما، قانونيا وسياسيا لمطاردة مجرمي الحرب في دولة الكيان..وقد لا تمر هذه الحادثة دون أن تلقي بظلالها عل مقدرة الرئيس عباس في الاستمرار بالحكم بما هو عليه..وعلها تكون بابا لحرب التوريث التي بدأت تطل برأسها، لذا لن يكون مفاجئا لو اكتشف لاحقا أن هناك من بين “حلفاء الرئيس الطامحين لاستبداله” شركاء في عملية “اللغز المختفي” من عناصر وجهات ودول..والتي تروج بعض أوساط عباس أنها غير موجودة أصلا!
عملية الغاز مركبة تشهدها فلسطين كما العراق..ولا زالت اللعبة مستمرة وسيدفع الثمن من يستحق أن يدفع، ولا مكان في عالم قادم لكل جبان سياسي أو متخاذل أو قاصر الرؤية والتقدير..
والى اللقاء في “لغز سياسي قريب”!
ملاحظة: هل لحكومة “التنافق الوطني” دور لمساعدة “الأهل والعشيرة الأمنية” كي لا تصيب رئيسها بحرج..صحيح شو رأي د.رامي فيما يحدث!
تنويه خاص: لأول مرة منذ انقلاب حماس في غزة عام 2007 تصمت حركة فتح الرسمية عن تذكر أحد ابرز المشاهد الفلسطينية في السنوات الأخيرة..لعل المانع كبر السن أو الانشغال في البحث عن “شلومو وارئيل وكوهين”..طبعا الأسماء وهمية!


