كتب حسن عصفور/ بعيدا عن استمرار خيار الرئيس محمود عباس وفريقه السياسي بالاصرار على المضي في “مشروع طريق مجلس الأمن” المغلق، أو استدراك تلك الخطيئة، والعودة الى الطريق الأصوب والأضمن والسالك ايضا، بالبدء بتنفيذ الخطوات العملية التي العنها الفريق ذاته أكثر من مرة في وسائل الاعلام، فإن المسألة الأهم قبل اي طريق يسير ويختار، هي معرفة أدوات الرئيس عباس وفريقه والتي بها سيخوض تلك “المواجهة الكبرى”!
فمن المنطقي جدا، ان الاستعداد لتلك المعركة، والتي هي المعركة الحاسمة في العلاقة مع الاحتلال، كما يعلن “الفريق العباسي”، بل وبدأت حركة فتح، وفقا لبيان مجلسها الثوري، تتحدث عن “فك ارتباط” مع الاحتلال ، وطالبت البحث في تعليق أو الغاء كل الاتفاقات مع دولة الكيان، وقد تصل لاعتبارها “أم المعارك” حقا وحقيقة لو استكملت وفقا لما يعلن ليل نهار..
ولأن المسألة وصلت الى حد المواجهة السياسية الأخطر مع دولة الكيان، منذ المعركة السياسية التاريخية التي خاضها الخالد ياسر عرفات في قمة كمب ديفيد عام 2000، والتي سيذكرها التاريخ يوما بأنها، المعركة السياسية الأعقد والأصعب في معارك شعب فلسطين، وكانت رمزا للتحدي الوطني الفلسطيني قادها زعيم شعب، كان يعلم يقينا أن حياته ستكون ثمنا لموقفه السياسي، لكنه لم يتعامل بحسبة “الذات” الخاصة، بل وفقا لحساب مصلحة شعب وقضية وتاريخ أمة ايضا..
ولأنها المعركة التي قد تكون حاسمة في الفكاك من الاحتلال، وتعزيز قيام “دولة فلسطين”، فهي تحتاج لمقومات أكثر صلابة وقوة مما هي الأدوات القائمة في المشهد الراهن داخليا، وبكل مظاهره، بل ما يبرز للسطح، أن الحالة الفلسطينية العامة هي في أضعف مشاهدها، بل وأكثرها سوءا سياسيا..ولا يوجد مؤشر واحد يمكن اعتباره “ركيزة” صلبة للمضي في خوض المعركة الحاسمة مع دولة الاحتلال سياسيا تقود الى الانتصار..
فمنظمة التحرير لم يعد لها حضور ملموس، وذابت لجنتها التنفيذية في اجتماعات بلا أي معلم سياسي، واصبح عقد اجتماع لها “أمنية” لأعضاء اللجنة التنفيذية لمناقشة ما هم منتخبين له، كممثلين للشعب الفلسطيني، فيما لم يعد لهياكل المنظمة الأخرى، مجلس مركزي أو مجلس وطني، اي دور حقيقي، واصبحت المسألة رهن برغبة الرئيس لا غير، فيما لم يعد هناك أي حضور حقيقي للمنظمات الشعبية الفلسطينية، التي كانت ركيزة رئيسية لرفع وتعزيز مكانة الثورة والمنظمة..وبالتالي لا وجود حقيقي لمنظمة التحرير، لا أطرا ولا مواقف وذابت في مناطق بلا ملامح حقيقية..
اما السلطة الوطنية الفلسطينية، فلا يحضر منها عمليا الامؤسسة الرئاسة وما يرتبط بها، من ادوات أو محاور، ودونها ليس سوى “اشباح” تتحرك بتعليمات أو وفقا لأمر الرئيس، ولعل الحكومة القائمة، والمفترض انها “حكومة وفاق وطني” تشكل النموذج الأبرز على بهتان أحد الهياكل التنفيذية في السلطة الوطنية، فهي حاضرة لتلبية أوامر الرئيس، وفقا لتصريحات رئيسها في كل مناسبة..وحتى تاريخه لا يشعر أهل فلسطين أنها حكومة تمثل الشعب الفلسطيني في “بقايا الوطن”، بل أن بعض سكان محفاظات شمال “بقايا الوطن” لا يشعرون بها الا في الجانب الأمني..
ويبرز غياب المؤسسة التشريعية نتيجة للانقلاب – الانقسام، الظاهرة الأخطر، فالمجلس الشتريعي الفلسطيني يشكل حماية للقانون والمؤسسة الفلسطينية في آن واحد، وغيابه ساهم بشكل مباشر في تعزيز الفردية السياسية للرئيس والفصيلين المتحكمين في حركة الشعب السياسية..
أما العلاقة السياسية الوطنية، بين فصائل العمل الوطني، فلا يمكن وصفها ألا بأنها تفتقد لأبسط مقومات العلاقات الكفاحية، بل انها تعيش واقعا انقساميا بأشكال متعددة، ليس فقط بين حماس وفتح، بل بين فتح وكل الفصائل الوطنية، فلا تواصل ولا مشاركة حقيقية، وقد لا تتذكر قيادة فتح، الشركاء المفترضين” لها الا في حالات نادرة، وعل ما حدث منذ “اتفاق الشاطئ” ووفد القاهرة، نموذج حي على ذلك، فيما لا توجد صلة حقيقية مع الجهاد الاسلامي، وتقتصر على علاقة “الهاتف الجوال”..
واستكمالا فالعلاقة بين مؤسسات الحكم والحكومة والفصائل مع الشعب الفلسطيني تشوبها حالة غضب عامة سياسية وحياتية، وقد يصل الوصف الى وجود “قطيعة حقيقية” في تلك العلاقة، وما حدث عند قدوم “حكومة الرئيس” الى قطاع غزة، بعد عطش طال انتظاره للشرعية كان درسا قاسيا، لكنه نموذج لوصف العلاقة بين الحكم والحكومة مع الشعب..
ولو تجاهلنا حقيقة العلاقات الرسمية الفلسطينية مع الدول العربية، وافترضنا انها على خير ما يرام، رغم انها ليست كذلك، فإن الاكتفاء بتشريح الجبهة الداخلية يكشف أن ما يحدث هو ان الحديث عن خوض “معركة كبرى” بـ”أدوات ملثومة ومكسورة”، لا يمكنها أن تحقق نصرا سياسيا يمكن اعتباره “تاريخي”، بل الخوف الحقيقي وفقا للواقع القائم ان نصل الى عكس ذلك ايضا وبشكل “تاريخي”..
ولذا وقبل الحديث عن “المواجهة الحاسمة” يجب حسم مقومات وأسلحة تلك المعركة..والعمل على ترميم كل ما سبق الحديث عنه من خلال:
**حكم قوي يكون تعبيرا عن شعب يتطلع للحرية والتحرر..وتكون المشاركة الوطنية الشاملة هي الأساس له وبه..
**اعادة الروح لمنظمة التحرير الفلسطينية اطرا وسياسية ومشاركة..وتجديد شبابها بتشكبل اطار قيادي موحد يضم حركتي حماس والجهاد..
** حكومة وطنية فلسطينية حقيقية تكون قادرة على خوض التحدي الداخلي الكبير..وترتبط بالشعب قبل الحكم..وتعبر عن مصالحه وتعمل له وليس عليه..
** فتح الباب لعودة عمل المجلس التشريعي كضرورة لا بد منها في حماية الجبهة الداخلية من الفردية – الفصائلية الخاصة..
**اعادة صياغة العلاقة الوطنية – الوطنية على قاعدة “الشراكة الحقيقية” وليس قاعدة “الاستفراد” أو “الاستعباط”..
تلك عناصر يمكنها أن ترفع من شأن المعركة وتسير بها نحو تحقيق الأمل الوطني في الانتصار وفك الارتباط مع دولة الاحتلال..وغيرها تعلمون ما سيكون!
ملاحظة: تصريحات يعالون حول الانفاق علها تكون رسالة تصويب لمنطق حمساوي، بأن “الاستعراض ليس هو الحل”..
تنويه خاص: ليس من حق بان كي مون الطلب من الفلسطيني الا يبحث طرق خلاصه من الاحتلال..واجبه قبل الطلب أن ينفذ قرارات مفترض انه أمين عليها!


