كتب حسن عصفور/ دون الخوض في أي مقارنات مع من سبق لمنصب “دولة رئيس وزراء فلسطين”، بعد فرضه بالاكراه على النظام السياسي الفلسطيني، لمحاصرة الخالد ياسر عرفات، كمقدمة لتصفيته والخلاص منه، لبدء مرحلة جديدة في تصفية القضية الوطنية، لعلها الفترة الأكثر اشكالية وصعوبة على شخص من تولى المنصب، هي فترة د.رامي الحمدالله، بشقيها، ما قبل حكومة “التوافق الوطني”، أو ما بعدها..
حيث أكد مسار الأحداث، أنه لم يترك بصمته الخاصة، بل كان مسيرا من “خلف حجاب”، منذ أن تم احضاره لمنصب “دولة الرئيس” للتخلص من “المرحلة الفياضية”، التي اعتقد بعض من “فتح” ان استمرارها يشكل “خطرا” عليهم و”مصالحهم”، بل أن بعضهم حاول أن يضع د.فياض كـ”خطر سياسي” على فتح مشروعا وحضورا، وبعيدا عن الوهم والخيال واللاحققة في تلك التوهمات، الا أنهم نجحوا في اقصائه وأحضروا من ظنوا أنه “رجلهم”، وتم تقييده منذ اللحظة بوزراء عرفوا في الشارع السياسي الفلسطيني، بوزراء الرئيس، ما يعني اضعاف قدرة “دولة الرئيس” عن فعل ما يغضب تلك المجموعة المحضية من الوزراء الذين فاقوا العشرين وزيرا، وترددت انباء عدة، في حينه، عن قرب نهاية مرحلة الحمدالله، كونه اكتشف أن “المنصب” شكليا أكثر مما اعتقد وتوهم..
وبعد اتفاق الشاطئ لتشكيل حكومة توافق، كان الافتراض أن تكون برئاسة فخامة الرئيس محمود عباس، وبدأ د.رامي الحمدالله يستعد للعودة الى “المكان الأفضل والمستمر على راتبه به”، رئاسة جامعة النجاح، الا أن تطورا فجائيا حدث، عندما رشحت حماس الحمدالله، أو وافقت على ترشيحه لتولي رئاسة “حكومة التوافق”، ورغم الخلاص من بعض وزراء الرئيس بسبب غضب حماس من احدهم، ومع ترقيته لمنصبين بدلا من واحد، فإن الحال لم يتبدل،، بل أن الأحوال ساءت الى درجة غير مسبوقة بين الضفة والقطاع..
وقبل الحرب العدوانية على قطاع غزة، كشف د.الحمدالله عن مواقف في منتهى الغرابة السياسية، بتصريحات لوسائل اعلام أميركية، استخف جدا من فكرة الذهاب للقطاع وممارسة بعض من مهامه من داخل غزة، باعتبار ان “حكومة التوافق” قد دشنت مرحلة جديدة في انهاء الانقسام، فأعلن أن الذهاب ليس آوانه، ولا يراه ضروره، بل أنه وضع مقارنة في منتهى سوء التقدير السياسي، وتعبر عن ثقافة تبتعد عن ادراك قيمة الوحدة الجغرافية – السياسية لجناحي “بقايا الوطن” في الضفة والقطاع، عندما وصف حالهما بالمانيا الغربية والشرقية، وصف وتقدير كان كافيا ليحمل حقيبته ويعود الى حيث يحب أن يكون، في جامعة بقلب مدينة نابلس، وعله لا يفكر الا بها..
الا أن حسابات سياسية صغيرة وضيقة الأفق، منعت ترحيله بعد تلك التصريحات التي شكلت اهانة لوطن وشعب قبل أن تكون اهانة لأهل القطاع، الذين اعادوا بمواجهتهم البطولية للحرب العدوانية لحمدالله ومن يحافظ عليه أن القطاع أعلى قامة من صغائر بعضهم..فكان الدرس ليس للعدو فحسب، بل لمن تعامل بدونية مع قطاع غزة، كما حدث من تصريحات لم يعتذر عنها ولم يحاسبه عليها او يلومه أحد، وكأنه تحدث رأيا لا مساس به بجزء من الوطن وبجزء من الشعب..
وجاءت الحرب العدوانية الأخيرة لتزيل كل الكلس السياسي على دولة الرئيس وحكومته، والتي تجاهلت في الأيام الأولى للحرب طبيعة الحدث، وتعاملت معه وكأنه “خبر عادي” في ظل الأخبار، سيرا وراء تفاعل القيادة الرسمية واعلامها في الحرب العدوانية على قطاع غزة، وبعد أن توقف اطلاق النار الى حين التوصل لاتفاق يلبي ثمن الحرب المدفوع بها، بطولة وتضحية ودماءا ودمارا، بات لزاما وقبل الاتفاق أن يحمل “دولة الرئيس” حقائبه ويرحل، فهو يدرك وقبل كل الآخرين، انه ليس رجل المرحلة الأكثر تعقيدا وصعوبة لشعب فلسطين وخاصة أهل قطاع غزة، بعد الحرب العدوانية، وما سيكون من مهام وواجبات قادمة..
وعله يدرك تماما أن أهل قطاع غزة، لن يرحبوا به ابدا، لو فكر يوما بالسفر وهو في مكانه الوظيفي، بل قد لا يقبلون أن يدخل أرض القطاع، حيث استخف في بداية العدوان ولم يتحرك الا متأخرا، لسبب يعرفه هو قبل غيره، ولما تفوه به من “دونية كلام” قبل الحرب، ولم يكلف نفسه عناء الاعتذار أو حتى التوضيح، كي لا يشعر اهل القطاع بمرارة سياسية من كلام تم رشقهم به من “دولة رئيس حكومة التوافق”..
اساب الرحيل كثيرة جدا، لكن الأهم أن دولة الرئيس لن يرحب به لو فكر الذهاب الى القطاع بعد الحرب، وبالتأكيد لن يروا به رجل مرحلة اعادة اعمار قطاع غزة، ولذا من أجله أولا ولحماية ماضيه الأكاديمي السابق الذي سجل به نجاحا ملموسا، قبل ان يذهب بعضا منه في دهاليز الحكومة، ومن أجل قطاع غزة وأهلها، ولمنع فتنة لا ضرورة لها، لو فكر بالذهاب الآن الى هناك، ولأنه لم يعد مقبولا ادارة الحال بتقنية الاتصال الخاص بـ”سكايب”، خاصة بعد حرب تدميرية لم يشهدها قطاع غزة منذ عام 1948، فالأفضل أن يترك المجال اختيارا وطواعية، ويكتفي بما حصل له وعليه، ودونها سيكون له مستقبل اقل بياضا، كي لا نقول تعبيرا آخر.
د.رامي رحيلك طوعا خيرا لك..فإرحل قبل فوات الآوان!
ملاحظة: من يستمع للرئيس الأميركي وهو يتعاطف مع قطاع غزة وأهله، يعتقد أن واشنطن اتخذت من العقوبات ما يكفي لردع من تسبب بدمار يؤدي بصاحبة الى “المفتي فورا”..نفاق هؤلاء بات معلوما جدا لأهل فلسطين..فكذبهم لا سبيل لتمريره!
تنويه خاص: المسمى بان كي مون ينتقل بدموعه من حالة لحالة..لا تعرف هل يبكي فعلا على حال مشهد تدمير القطاع، أم أنه يبكي لعدم تحقيق دولة الكيان نصرا ساحقا عليه..بان كي مون أنت أسوء امين عام في تاريخ المنظمة الدولية..الصغير صغير مهما حمل من ألقاب ايها السيد!


