كتب حسن عصفور/ تقرأ كثيرا من التصريحات الرسمية وشبه الرسمية لقادة وقيادة في “بقايا الوطن”، تتوقف أمام كثيرها فتجد أن ما يراد بها ليس سوى “تعئبة الفراغ السياسي”، خاصة وأن الحرب العدوانية على قطاع غزة سرقت ببعدها العسكري، ولاحقا التدميري – الكارثي قوة اللغة ممن يحسنون الكلام لغويا، دون اتقانه سياسيا، لكن ذلك لم يمنعهم القول ، اي قول ما دام الهدف هو القول..
مؤخرا في اجتماع القيادة الفلسطينية، تحدث الرئيس محمود عباس بأنه يريد “وقف اطلاق النار” ورددها ثلاثا، بحيث باتت قاطعة لا راد لها، وكانت تلك العبارة القاطعة مثيرة للإستغراب أن تقال وحدها دون أي ارتباط مع مطالب غيرها، رغم أن بيان القيادة الفلسطينية لذات جلسة كلام الرئيس ذهب الى الأبعد من وقف اطلاق النار، باعتباره أن الحرب على قطاع غزة هي جزء من المعركة الأشمل ضد الاحتلال في “بقايا الوطن”، ولا نظن أن الفارق هنا بين تصريح الرئيس وبيان القيادة فارق زمني – لغوي، بل هو فارق سياسي لما يراد اليوم بعد معركة غزة، بكل ما لها وعليها..
وإن كانت رغبة الرئيس تتلخص في “وقف اطلاق النار”، فوفد حركة حماس أعلن أنه لن يقبل وقفا لاطلاق النار دون تحقيق أهداف “الشعب الفلسطيني والمقاومة”، والمتلخصة في رفع الحصار كليا، بما يشمل المطار والممر البحري، كما اقترحت قطر، وفتح المعابر بلا شرط ولا قيد، ووقف العدوان بكل اشكاله، والغاء المنطقة العازلة كليا،، وغيرها من مطالب يمكن سماعها على لسان متحدثي حماس من الدوحة وغزة، والقاهرة عند حضور الوفد..
وبعد هذه التصريحات التي لا ترتبط بذات النسق السياسي، بل أنها تفترق في بعض محطاته جدا، يخرج علينا من يقول أن “الوفد الفلسطيني موحد” على المطالب والسياسة، وهو قول يثير الكثير من الارتياح والطمأنينة، بل والرغبة الشعبية أن يكون ذلك حقا، الا أن الكلام عن “وحدة الموقف”، لا يرتبط بتصريح وكفى، بل هي سلوك ونهج وممارسة، وتصريح الرئيس عباس وتصريحات قادة حماس، لا تلتقي لتشكل “مظهرا موحدا”، وهناك تفصيلات عديدة لا تؤكد حقيقة “وحدة الموقف”، رغم أن “الوفد موحد”..لا ضرورة لذكرها ويعرفها ذوي الشأن والمهام.
ولعل مظهر المرجعيات بذاته كان ابرز كاشف لتلك المفارقة التي تتجسد في “وفد موحد” ولا “وحدة في كل شيء”..ولا نظن ان ما صدر عن مرجعيات وفد حماس في الدوحة، يتماثل أو يتطابق مع ما صدر عن مرجعية أعضاء فصائل منظمة التحرير في رام الله..الخطاب الرئاسي متوافر وتصريحات حماس متوافرة..والبون بينهما أكبر من بون المسافة بين رام الله والدوحة..
هل هذا السلوك يمكن أن يساهم في فرض قوة المنطق الفلسطيني على عدو، بدأ يتهرب من العمل الى اتفاق يؤدي الى رفع الحصار وفتح المعابر ووقف الحرب بكل مظاهرها، وليتهم يستخدمون هذا التعبير خيرا من تعبير وقف اطلاق النار، لفتح الطريق على اعادة اعمار روح الناس المشردين، قبل اعادة اعمار ما تم تدميره منازلا وأرضا زراعية ومنشآت صناعية ومدارس وبنى تحتية ومقار حكومية واهلية وغيرها من طرق واليات..
العدو بدأت يتهرب مما كان أكثر قربا لاتفاق في جولات سابقة، لكن البعض يعتقد ان كل تشدد يمكنه أن يقابل بتنازل اسرائيلي، وهو منطق لا يكون “صائبا” في أي زمن، والحرب على غزة، لها سمات وخلقت مشهدا لا يجب أن يتوه في “سراديب” تصفية حسابات سياسية خارج “النص الوطني”، ولذا ما حدث فيما بعد تعليق “التفاوض” يشير أن دولة الاحتلال تمارس الابتزاز بحده الأعلى، فيما “الوفد الفلسطيني” ليس واضح الملامح، اذا ما اخذت تصريحات الرئيس عباس وقادة حماس أداة قياس لموقف “الوفد” في جولة التفاوض الراهنة..
قد يحتاج الوفد وقبل نهاية المدة الزمنية اعادة تمتين نسيجه الداخلي، وأن يتم صياغة موقف موحد، والا يكون هناك حالة من “السيلان الكلامي” خارج “النص التوافقي”، ودون ذلك ليسمى الوفد الفلسطيني تسمية أكثر توافقا مع الواقع” وفد الفصائل الفلسطينية”، فاللحظة وصلت الى نقطة فاصلة، والعبث بها غير مسموح، فما كان في القطاع ليس “مزاح” وانتهى..كانت معركة بكل أبعادها، ثمنها أغلى بكثير مما يمكن أن يكون مهما كان..!
ملاحظة: بدأ الحديث في قطاع غزة عن سقوط “الفيتو” عن رواتب موظفي حماس..وحكومة الحمدالله بشرتهم بذلك..لكن هل سقط “فيتو” انقسام العمل الوزاري في قطاع غزة عن مثيله في رام الله..تلك هي المسألة!
تنويه خاص: بدأت مظاهر التذمر ترتفع في قطاع غزة..يقال أن المساعدات لا تذهب وفقا لحجم الدمار والخسارة، بل وفقا لمبدأ آخر..المكان والمسافة الحزبية والمعرفة “القبلية”..ليتها تكون “اشاعة” فغيرها يكون فضيحة لا بعدها!


