كتب حسن عصفور/ نعتقد أن كل من تمكن من قراءة النص المنشور، في مختلف وسائل الاعلام حول محضر “اللقاء الثلاثي” بين الرئيس محمود عباس وخالد مشعل في “حضرة” سمو أمير دولة قطر “الشقيقة الكبرى” لهما، لن يخرج الا بحسرة غير مسبوقة عما جاء في النص المنشور، ولم يصدر من اي طرف أو شخصية ممن ذكرت في المحضر، ما يشير الى عدم صحته، او أنه محضر تم “تزويره” او أخرج عن سياقه، كما يحلو للبعض القول عندما يمسكون متلبسين بجريمة سياسية..
النص بذاته يعتبر علامة فارقة في “الانحدار السياسي”، ولأنه كذلك لا يمكن المرور عليه قراءة وكفى، والمساهمة العامة في “هجمة النميمة السياسية” التي صاحبت النشر، حتى وصل بالبعض الفلسطيني الاعلان عن خجل لا يستطيع التعبير عنه مما قرأ، ولأن المسألة ليست انفعالا غاضبا وكفى، فالضرورة تفرض المرور على بعض مما جاء فيه من “شهادات” تستوجب المراجعة والمساءلة، وسأعتبرها بلاغا الى رئيس هيئة “الفساد” و”ديوان الرقابة”، والنائب العام، كونها تمس الشأن العام..
المتحدث الرئيسي في “اللقاء الثلاثي”، كان الرئيس محمود عباس، ولم يخف كاتب المحضر، والذي كان أمينا جدا في نقل الجسلة كتابة وأجواءا، مدى غضب وعصبية ونرفزة الرئيس عباس، حتى أنه عبر عن ذلك بوضوح شديد، يخرج عن صفة المنصب والمكانة التي يمثلها، عندما يعلن رئيس دولة فلسطين والقائد العام لكل شيء فيها، انه “قرف” ، وكما وردت بالمحضر بالعامية “أقرف” من الجميع، ولم يعد يحتمل لا حماس ولا فتح ولا العرب ولا اسرائيل..
كلمات بالتحليل الدقيق لها ووضعها على “خط واحد” سنجد أننا دخلنا في حالة من “التيه والدوران”، فهو قول لا يمكن أن يكون مستقيما بخلط الأطراف بعضها ببعض، ولم يعد يجد فاصلا بين فتح التنظيم الذي حمله الى سدة الرئاسة، وحماس، المفترض انها شريكه السياسية في الحكومة الراهنة، أو المستقبل السياسي، الذي ذهب ليبحثه مع خالد مشعل..وأن يضعهما في سلة واحدة من فقدانه الصبر وعدم القدرة على التحمل مع العدو التاريخي للشعب الفلسطيني..موقف لا يحتاج لمزيد من التعليق..
لكن المحضر تضمن كشفا لمستور، يستوجب القراءة الدقيقة، فالرئيس عباس كشف فيما كشف ان وزيرة الخارجية الأميركية السابقة “كونداليزا رايس” هددته كي يجري الانتخابات العامة في فلسطين، من أجل مشاركة حماس، ويكمل الرئيس قولا، “انني كنت أعلم ان فتح ستخسر هذه الانتخابات، الا أنني “أذعنت”، هكذا قال نصا ، واجريت الانتخابات وفازت حماس”..
هذه الفقرة بذاتها ووحدها تستحق تحقيقا سياسيا شاملا، من حيث أن الانتخابات لم تكن مصلحة وطنية فلسطينية، بل جاءت “إذعانا” لتهديد أميركي، وهو ما يشكل اتهاما صريحا بأن كل ما حدث لاحقا نتيجة الانتخابات كان بسبب “الاذعان الرئاسي” للتهديد الأميركي”، ثم ما هو “التهديد” الذي تحدث عنه الرئيس، والذي أجبره على الإذعان رغم معرفته المسبقة بخسارة حركة فتح الانتخابات، واستسلم لرغبة “كوندا” وتحقيق طلبها، على حساب المصلحة الوطنية..أسئلة عدة يجب أن يفتحها النائب العام ورئيس هيئتي “الفساد” و”ديوان الرقابة” بعد قراءة المحضر..
القضية الأخرى، التي تستحق الإمعان، وليس الإذعان، هي تلك المتعلقة بانقلاب حماس عام 2007، والاتفاق مع محمد دحلان قبلها على ذلك الانقلاب، فما ورد في كلام الرئيس عباس يثير عشرات علامات الاستفهام، فكيف يقول الرئيس عباس لقادة حماس أنهم اتفقوا مع محمد دحلان، نال لقبا عجيبا، على القيام بانقلاب في غزة عام 2007، ثم نجده الأكثر تحالفا مع ذات الشخص في كل ما يتعلق بقيادة المرحلة من عام 2007 وحتى عام 2012، يوم “الفراق” بينهما..ولعل مؤتمر فتح السادس، وما جرى من “تحالف عباسي دحلاني” لا زال حاضرا وشاهدا من قبل كل أبناء فتح، بل أن بعض قيادات فتح المقربة جدا من الرئيس لا تزال تعاتبه على ذلك “التحالف”..
كيف يمكن أن يكون الرئيس عباس عالما بدور مشبوه لدحلان والتخطيط لانقلاب حماس، ثم يكون أهم عنصر في مرحلة مواجهة انقلاب حماس، والمشاركة النشطة جدا في تشكيل حكومات سلام فياض اللاحقة، وانتخابه عضوا في مركزية فتح، بدعم وتأييد خاص من الرئيس ذاته..بالتأكيد لا يمكن اعتبار رواية الرئيس عن دور دحلان في تخطيط انقلاب حماس عام 2007، يمكن أن ينسجم مع تطور الأحداث التحالفية بينه والرئيس، المنطق مفقود جدا في تلك الرواية، ما لم يقدم دليلا كاشفا حقيقيا.. وليس كدليل استخدام معلومات رئيس الشاباك الاسرائيلي الذي أبلغه اياها خلال “زيارته الخاصة” للرئيس عباس وقدمها الرئيس كرواية لا غبار عليها، مصدقة تصديقا لا راد لها، حتى أن أمير قطر قال إن معلومات اسرائيل صحيحة، وصمت مشعل دون أن ينبس بكلمة، كون الأمير نطقها، ومع ذلك بدأ الكشف في كذبها، عبر الاعلام الاسرائيلي ذاته، وما نشرته “هآرتس” العبرية يوم الثلاثاء 2 سبتمبر( أيلول) 2014 دليلا على “فضحية الاستخدام الشاباكي” للرئيس عباس لتمرير كذبة الانقلاب..
الرئيس عباس يتحدث أمام “الحاضرين”، انه لا يوجد لدينا سلطة في الضفة فلماذا الانقلاب، لو كان الرئيس مقتنع حقا أنه لا سلطة فلسطينية في الضفة الغربية، لماذا الاصرار اذا على ابقاء الحال على ما هو عليه ولا يعلن الدولة كما قررت الأمم المتحد قبل عامين، ولماذا يحتفظ بكل تلك الأجهزة الأمنية فيها وتؤدي كل ما هو مطلوب منها في الاتفاقات باخلاص منقطع النظير، دون أن تقابل بثمن ورد في الاتفاقات ذاتها..
كيف يمكن ان لا نعتبر ما يحدث الآن هو أيضا، “إذعان” لأميركا، كما سبق أن أذعن الرئيس عام 2006، كيف يمكن أن نميز بين “الحق الفلسطيني” في كلام الرئيس وبين “الإذعان” لرغبة واشنطن، أما التعبير الغاضب والشتائم والتخوين فلا قيمة لها بعد انكشاف الحقيقة السياسية المرة، والتي أزالت غبار الانتخابات والدور الخطير للرئيس عباس لتمرير مشروع أميركي ساهم لاحقا في تكريس الانقلاب والانقسام..ولن نعود لما قاله يوما من اتهامات لأشخاص في خطابه أمام مجلس ثوري فتح، كونه افتضح زيفها!
وبعيدا عن الجانب الشخصي في “الولاء” لدولة قطر من قبل الرئيس، باعتبارها اهله، احتضنته وعائلته وتحتضن أحفاده، فهو قول لا يليق قوله في جلسة سياسية تبحث مصير الوطن والقضية، الا أن الأهم ان يقول الرئيس للحاضرين أن مصر والأردن والسعودية والامارات ضد المصالحة الفلسطينية، فلو كان ذلك صحيحا، لا يجب أن تمر هذه المعلومة مرورا سريعا، خاصة أن مشعل استغلها فورا ليقول له أن أخلص الناس لك قطر وتركيا، وصمت عباس، وكأنه مؤيدا موافقا، فلو كان ذلك حقيقة تحتاج قيادة الشعب الفلسطيني اعادة تموضعها السياسي وفقا لمعادلة مشعل الأخيرة، ويكون كل ما تقوله فتح عن حماس بأنها تحاول وضع القضية الفلسطينية لمصلحة “تجاذبات اقليمية” كلاما لا أساس له..
أقوال الرئيس في المحضر تخرج عن الكلام المعقول، لذا نأمل من الأطر الرسمية في المنظمة والسلطة مراجعة تلك الأقوال نظرا لخطورة ما بها، سواء الاتهامات أو المعلومات..محضر سيجد له مكانة خاصة في “ذاكرة التاريخ”!
ملاحظة: ما يقال عن تمييز في المعاملة بين عسكريي الضفة وعسكريي قطاع غزة، يستحق المتابعة والرقابة، ولا يجب أن يمر مرورا عابرا، فتلك ثغرة ينفذ منها الكثير لو تأكدت!
تنويه خاص: ما نشرته الصحيفة العبرية عن شكوك حول انقلاب حماس المزعوم سيهز كثيرا من روايات الرئيس عباس حول خصومه السياسيين لاحقا..!


