كتب حسن عصفور/ لا نعتقد أن الفلسطيني البعيد عن الجري وراء كلام السراب، كان يعتقد أن ما حدث في الشاطئ بين حماس وفتح، ومشاركة مؤقتة لبعض الفصائل كان اتفاقا للمصالحة الوطنية، بقدر ما كان “اتفاقا شكليا – فوقيا” لانقاذ طرفي الأزمة من مصائب سياسية تحيط بكل منهما، ويوما بعد آخر تنكشف الحقيقة رغم الصراخ والضجيج والتحدي اللغوي الخالي من صدق..
لم تكن مصالحة سياسية هدفها انهاء الانقسام فعلا وقولا، بل كانت عملا مؤقتا لجأت له حركة “فتح” هروبا مما وصلت اليه نتيجة المشهد السياسي الذي وضعت ذاتها به، من خلال مفاوضات لم تجلب سوى الكارثة الوطنية، بالسماح لحكومة الاحتلال مواصلة مشروعها الاستيطاني – التهويدي، وتغييب روح المواجهة الشعبية المقاومة، وتعطيل استخدام قوة القانون الشرعي، او ما يمكن تسميته بالقوة الفلسطينية الناعمة، من خلال استخدام ما لفلسطين من قدرة لتوظيف الشرعية الدولية لمطاردة المحتلين ومشروعهم، لكن الرئيس عباس اختار طريقا غير الطريق، ما أوصله لما وصل اليه من فشل سياسي كبير، فلجأ لتغطيته، بناء على اتفاق مسبق مع واشنطن عبر الدوحة لما يسمى “اتفاق المصالحة”، وهو غير ذلك تماما..
فيما لم يكن خافيا على أي بسيط فلسطيني، ان حركة “حماس” اضطرت لما فعلت بعيدا كل البعد عن قناعة أن المصالحة مع فتح وعباس في الوقت الراهن سيكون عملا حقيقيا، لكنها لم تكن تملك خيارا غير ذلك، خاصة وأن قطر الدولة “الراعية” لرئيسها وبعض قيادتها وصاحبة النفوذ في قرارها راهنا عبر الأموال، رأت ذلك كمقدمة للصفقة الكبرى لما بعد عباس وتنصيب “رجلهم” رئيسا لفلسطين!
حماس تعلم يقينا أنه لا الموقف السياسي ولا السلوك العام بينها وفتح سيؤدي الى انهاء الانقسام، لكنها ارادت تنفيذ أولا رغبة قطر فهي لا تملك رفضها، والا سيطرد مشعل ومن معه الى بلاد “الواق واق” وستتوقف كل الاموال التي باتت بحاجتها بعد أن سدت الأنفاق سدا افقرها، وثانيا تعتقد بعض أوساطها أن ذلك الاتفاق ليس سوى ممر لفتح معبر رفح، ما سيخفف عنها الضغوط التي قد تؤدي لانفجار شعبي، يطيح بما لها لو واجهته بالسلاح؛ خاصة وأن مصر لن تسمح بارتكاب مجازر ضد أهل القطاع، لو قامت حماس بأي حماقة مسلحة ضد الغاضبين..
المصالح الذاتية لا غيرها كانت سببا في انجاز اتفاق الشاطئ دون ترتيب حقيقي للمصالحة، ولعل الأيام الماضية كشفت كل المستور لغة وأفعالا، فحماس وحدها صاحبة الفعل والقول في قطاع غزة، ولا سلطة غيرها رغم مرور أسابيع على توقيع الاتفاق، والاسبوع الثاني لتشكيل “حكومة تسمى توافقية”، وأوضحت “أزمة الراتب والبنوك” أن “سلطة حماس” وأجهزتها الأمنية لا تزال لها مرجعيتها خارج اطار الحكومة، وبلغة المتحدي الدائم، الذي لم ينجح مرة واحدة في كسب الرهان رغم الصراخ، فنحن نتحدى أن يجرؤ رئيس الوزراء وزير الداخلية د.رامي الحمدالله برفع سماعة الهاتف ليسأل مسؤول الشرطة في قطاع غزة عن ما يحدث، فقط مجرد سؤال وليس اصدار أمر بسحب التشكيلات المسلحة من أمام البنوك، بعدها سنرى ما يسمع المسمى رئيسا لوزراء ووزيرا للداخلية!..
والمصيبة التي تغطيها أزمة المال، هي حقيقة ما يجري في الضفة من ممارسات الأجهزة الأمنية، اعتقالات ومطارادت ومنع اعتصامات أو مسيرات، ضد حركة حماس والجهاد الاسلامي، ممارسات وصفتها قيادة حماس بالاجرامية، وصل الأمر بقيادي حمساوي وعضو بالتشريعي، مروان ابو راس، بمطالب عباس بـ”عقر كلابه” من الأجهزة، لغة وصلت لمنزلة منحطة مقابل سلوك لا صلة له بروح المصالحة، بقدر عدم تعطيل مسار “التنسيق الأمني المقدس”..فيما تشكو الجهاد الاسلامي من استمرار مطاردة عناصرها وصلت الى حد منع توزيع صحيفتها “الاستقلال” بالضفة، وصفت سلوك الاجهزة بأنه عمل اجرامي..
وبالطبع لا يجرؤ الحمدالله أن يسأل اي مسؤول امني بالضفة، عما يقال أنه قد حدث ضد مسيرات واعتصامات ومطاردة مراسلي صحف واعتداء على عائلات أسرى، فهو لا يملك سلطة رفع الهاتف للحديث مع قيادات الأمن، فتلك لها سلطة ومرجعية أخرى، رغم أن القانون الأساسي يمنحه سلطات هامة في هذا المجال..لكن القانون شيء واحترام القانون شيء آخر..
ولو تجاهلنا كل ما له صلة بالمصالحة، من اجتماع الاطار القيادي الذي كان مفترضا ان يعقد قبل اسبوع، وتشكيل اللجان التي أكدتها الاتفاقات الموقعة، والبدء بمسار عملي لتنفيذها، وتوقفنا فقط أمام سلوك الأجهزة الأمنية وسلوكها في الضفة والقطاع، وضمنها ما يعرف بأزمة البنوك والاعتداء على اعتصام عائلات الأسرى، لوجدنا أن المصالحة لا تزال أمنية وطنية بعيدة المنال..
والعجب أن يخرج قيادي فتحاوي ويعلن أن السلطة لم تبدأ عملها بعد في قطاع غزة، دون أن يسمح لنفسه بتوضيح اسباب الغياب حتى تاريخه، وما هو العائق ان يذهب حرس الرئيس الى معبر رفح، أو اعادة قوات الأمن للخدمة، ألم يعلنوا ان هناك 3 آلاف عسكري وشرطي عادوا للخدمة فور توقيع الاتفاق، ورغم هزالة المسألة، لكنها لم تر النور بعد، اليس ذلك بعضا من عيب سياسي، لو كانت السلطة لم تعمل بعد، فلماذا لا يذهب الرئيس عباس وحكومته فورا وعبر معبر رفح بلا تنسيق مدني غير مقدس الى غزة، ويبدأ من هناك الشروع بعمل السلطة الغائبة أو المغيبة..
هل يتشرف أحدهم بكشف عوائق ذهاب الرئيس وحكومته أو الحمدالله ومن معه من تشكيل حكومي الى القطاع والعمل من هناك لفترة من الزمن، كي يشعر الفلسطيني في “بقايا الوطن” ان روح المصالحة بدأت، قبل أن تبدأ فصائلها بتنفيذ المتفق عليه تفصيلا.. فعلا لا يجب أن يسقط اتفاق المصالحة من أجل المال، ولكن الا يمكن أن يسقط بسبب الأمن وسلوك رجاله، او لسبب سياسي لا زال “غائبا”..
وقبل ذلك لماذا تستمر الأجهزة الأمنية في الضفة بالقيام بما تقوم به ضد فصيلين باتا “شريكان سياسيان”، هل الأمن في الضفة خارج سلطة أجهزة المصالحة ولها سلطة أخرى غير معلومة..المنطق السياسي لا يتجزأ، والأمن ليس خارجها، فمن يريد مصالحة عليه أن يقدم سلوكا ملموسا، وهو ما ليس قائما في المجال الأمني من طرفي الأزمة التي لا تزال قائمة، ولا يعلم شعب فلسطين هل تنتهي فعلا أو هل هناك جدية اصلا من اجل انهائها، أم كما كشف المحضر الفضيحة بين مخابرات قطر وقيادي فتحاوي جاءات تنفيذا لرغبة بوحدة السلطة دون وحدة أجهزتها كما قال امير قطر..
المصالحة ليست بعض وزراء يجلسون عبر فيديو كونفرس فيما يسمى “حكومة توافق”. .ويبقى السؤال توافق من مع من؟!
ملاحظة: اخيرا وجد الرئيس الأميركي وقتا لتهئنة الرئيس المصري على انتخابه..اوباما وبعد اعلان نتيجة الانتخابات المصرية عام 2012 اتصل بعد دقائق بمرسي وشفيق..كان فرحا جدا بها..لكن مع السيسي نبضه أصيب بغمة لم يحسبها..عقبال التانية يا “بو حسين” ويكتر غماتك انت و”جماعتك”..
تنويه خاص: هل يمكن تشكيل لجنة مشتركة من حماس وفتح ومن يرغب من الفصائل لتنظيم وترشيد الشتائم المتبادلة..هل هو طلب صعب المنال!


