كتب حسن عصفور/ مع الانطلاقة التاريخية المذهلة للأحداث الشعبية في المنطقة العربية، التي فجرتها تونس عبر حدث لا يتكرر كثيرا في أثره على مجرى التغيير، خاصة في منطقة تختزن ملايين الأمثلة كما قصة البوعزيزي الخالد، بل وهناك أكثر قسوة وبؤسا بكثير مما تعرض له ‘مفجر’ شرارة الثورات العربية المعاصرة، مع تلك الانطلاقة والجدل لم يتوقف، ويبدو أنه لن يتوقف، عن وصف ما يجري وطبيعته وأهدافه السياسية العامة، ومن هي القوى التي تحركة، وما الأسباب التي حركت العالم العربي من محيطه لخليجه، بدرجات متفاوتة، فلا يوجد بلد لا أثر به لغضب انطلق دون أن تحسبه قوى الأمن بما يكفي للسيطرة عليه، وهل هناك يد خفية تحرك ما يحدث ضمن سيناريو تم رسمه بحنكة وعناية ورعاية لإحداث انتهاك شامل في الجسد العربي، مقدمة للسيطرة المطلقة على مقدرات الأمة وتقسيمها وفقا لما يخدم كل مخطط معادي كريه.. الأسئلة والكلام فعل لا يتوقف، تبدأ بالسؤال هل ما يحدث في بلادنا المنكوبة ‘ثورة’ أم ‘مؤامرة’ ..سؤال بات مسيطرا في أروقة كثير من الساسة والحكام وقوى أصابها الارتباك مما جرى، وكأنه ‘غدر بصمتها’ و’سكونها’ السياسي على ‘جرائم العصر’ التي تسيطر على المشهد العام ..
وكي لا نقع في مصيدة مجادلي التعابير السياسية وفقا لمعايير خاصة، حول وصف ما يجري من أحداث، أهو ثورة أم غضب أم حراك أم بين كل ذلك مما يمكن لك أن تختصره في تعبير ليس له دلالة سياسية في تعبير’ الربيع العربي’، تعبير به وصف أدبي يريح المتجادلين لغويا وفقهيا في ‘علم الثورات’، التي يريدونها قياسا بما كان أو تمت الكتابة عنه، وللحقيقة ما يجري في بلادنا من حيث العمق الشعبي والمشاركة والقدرة الرهيبة على الضغط على الأنظمة القهرية وحجم المشاركة الشعبية، ليس سوى ‘ثورة شعبية’ بكل المقاييس، بل وتسجل نموذجا خاصا من حيث القدرة على كسر حاجز الرعب والموت في بلاد كان الأمن جدارا أكثر صلابة وتماسكا من كل الجدران القمعية القديمة، وتلك بداية ضرورية لأي ثورة في التاريخ، الشعب والمشاركة الشعبية المذهلة، دون خوف ولا رهبة متجهة نحو كسر القيود، تعلن أنها تريد’ اسقاط النظام’ .. تلك ثورة شعبية بسماتها في مصر وتونس ولكنها تكسرت مبكرا فيما تلاها من بلدان خاصة ليبيا، التي لن تبرز بها ما يمكن أن يقال إنه ملمح من ملامح ‘ الثورة الشعبية’ ، حيث لجأت القيادة المعارضة لحكم القذافي مباشرة للخارج لتخليصه من حكم ديكتاتور.. ولذا لن يكون فيها مساحة لثورة شعبية، رغم البداية المتواضعة، ويبدو أن ذلك لم يكن من فراغ، أو عدم إدراك وهو ما ستكشفه قادم الأيام، مع بروز ملامح سياسية لمن سيأتي بعد العقيد ..
الانفجار الثوري الشعبي يجب رؤيته في سياق مسبباته أولا، ودافعه ومكوناته ثانيا، وليس كما يراد له أن يكون وفقا لما يقول البعض بما سيكون من نتاج لذلك الحراك – الانفجار.. فالأصل هو أسباب وعوامل الانفجار، ولذا لا يجوز الحكم على الدائر وفقا لما يمكن أن يكون، كما يراد له أن يكون .. فالحقيقة التي لا يمكن طمسها أن العالم العربي برمته، وصل إلى مرحلة الحد الأعلى من ‘الاختناق العام’، في مختلف جوانب الحياة السياسية – الاقتصادية التي تشهد تدهورا غير مسبوق من حيث تدني المكانة العربية أقليميا ودوليا، وفقر وجوع وفقدان آمان للمواطن في مختلف جوانب الحياة، مع فساد بات سرطانا مرعبا في شتى المناصب والمواقع والمسؤوليات وكأنه القدر الذي لا بد منه، مترافقا مع انعدام شبه كلي لمفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، والمواطنة الحقة، إلى جانب مصادرة الحياة السياسية الصحية التي تنتج شعبا بعمق سياسي ووعي مجتمعي لما يجب أن يكون، بلادنا تحولت إلى كابوس يحارب به ما يمكن أن يكون مؤشرا لبناء أوطان خالية من الفساد والقهر والجوع وإهدار الكرامة واختزال المواطن في ملاحقة ‘لقمة الخبز’ وتجهيله إلى درجة يصعب معها أن يكون قادرا أن يطالب بحق غير راتب أو دخل أو علاج أو بعض تعليم، بأدنى درجاتها جميعا، حاولوا خلال سنوات طوال أن يخنقوا الحياة العامة ويصادروا كل ما يمكن أن يكون سويا فيها، أوصلوا المواطنين إلى وضع بات استمراره من المستحيلات، قتلوا أو شوهوا الحياة السياسية والقوى التي يمكنها أن تكون رافدا لبناء سياسي ديمقراطي سليم، أغلقوا منافذ القدرات أمام قوى التغيير الحضاري وسمحوا ببعض نوافذ لمن يرون أنهم قوى لن تكون قادرة على إحداث البناء الكياني العربي الاستقلالي، وأن يكون هناك قدرة لحضور عربي قادر على التأثير في المعادلة الإقليمية – الدولية، فمنطقة بها مقومات حضارية – اقتصادية ومكانة جيوسياسية لا تتوفر لغيرها، هي الأقل حضورا وتأثيرا في الخريطة السياسية – الاقتصادية الدولية، بل إن دولا تبتعد كثيرا بقدراتها عن ما لدى الأمة العربية باتت اليوم أكثر أثرا في عالم السياسة الكونية من بلادنا.. اختناق غير مسبوق أوصل الأمة وشعوبها إلى لحظة الانفجار’ وقد كان دون تفكير سوى بالخلاص..
لذا هي ثورة التحرر من الخوف والرعب والقدرة الأمنية الهائلة، ثورة من أجل الإشارة أن الأمة لم تمت بعد، وبها ولها ما يمكنها أن تكون بغير ما يريد لها حكاما لم يدركوا قيمة المخزون الحضاري والسياسي لهذه الأمة العربية وشعوبها .. ثورة أرادت التعبير بقوة ذاتية عن التطلع لحرية وكرامة وعدالة، خاصة أنه لم يعد لها ما تخسره أكثر مما تسخره في قوالب الذل العام التي تتحكم بها، ومع بروز دول مجاورة باتت تعطي الأمل، كما هو تركيا التي نحجت في رسم خريطة طريق من قواعد الحياة، لتبني بلدا بات نموذجا كما كانت ماليزيا والبرازيل وكذا الصين، عبر الديمقراطية الواضحة وغير الملتسبة بشعارات وقيود تسرقها، بلد ارتضى البناء عبر قواعد العصر، وليس هروبا منها بذرائع لا صلة بالحياة.. عوامل الانفجار مخزونة ولكن اللحظة حانت لتنطلق دون حسابات ما يخطط الأعداء..
ولكن هل ستكون نتائج ذلك الانفجار وفقا لرغبات الشعوب وطموحهم، وهل يمكن لقوى الغدر أن تسرق منهم نتائج الثورة لتصبح بعضها خطرا ووبالا؟ ..سؤال لا ينفك عن التداول، خاصة وهناك من المخططات الستعمارية التي استعدت منذ زمن لقطع الطريق على أي تغيير ثوري حقيقي في المنطقة الأهم عالميا، هناك خطط استعمارية ليس كل ما يقال عنها كذب أو خديعة ، وليس كل ما نشر من مشاريع عن تقسيم المنطقة ونشر الطائفية وتفتيت شعوبها، عبر حروب قبلية – طائفية، بدعايات استعمارية، كثير منها معلوم منذ زمن، بدأ مع التوجه الاستعماري الجديد لبلادنا، وزرع الدولة الاحتلالية فوق أرض فلسطين، وما زال المثل البريطاني الاستعماري الشهير( فرق تسد) حاضرا حتى الساعة مع تطوير وفقا لتطور الحياة .. مشاريع التفسيم – التفتيت وزراعة القبلية والطائفية كسلاح بيد قوى العدو، أسلحة قديمة وجديدة، لم تنته ولن تنتهي ما دام هناك صراع ..
ودون أدنى شك أن هناك قوى تستغل وبشكل غاية في الخبث السياسي، انطلاق الثورات العربية دون قيادة وبرنامج واضح، حتى قواها المفجرة، لم تكن من الوضوح ما يكفي لرسم رؤية مسبقة لبرنامج الثورة، وخاصة في دول التأسيس الثوري الجديد – مصر وتونس -، وهو ما حاولت قوى محددة أن تستغله لترسم ما هو ليس من صلب الثورة، حتى الغرب الاستعماري أراد القفز ليمسك بعضا من ناصيتها ليحرفها عن طريق الحرية الحقة..هل يمكنها تحقيق ما تريد ..ممكن لو أن قوى الثورة لم تدرك مبكرا جدا ذلك..
صراع بدأ يبرز داخل مسار الثورات .. خطر لم ينته بعد، لكن الثورة التي انطلقت بكل المخاوف التي يقال عنها كانت ضرورة . وبدلا من ترديد الترهيب من بعض القوى لمخاطر تقسيم وتفتيت بلادنا، لتنخرط الأطراف بكل قوة للتصدي لخطر بات واضحا جدا، والكف عن حالة اللطيم العام التي تسيطر على البعض فينا..
ملاحظة: قوى مصر السياسية حددت لها طريقا للتحالف.. قوى جديدة اختارت أن تكون في جبهة ليست ضمن حقيبة القديم السياسي.. معركة مصر لم تعد خلاصا من نظام فحسب، بل هي أي مصر تكون واحدة موحدة..
تاريخ : 16/6/2011م


