كتب حسن عصفور/ لا يمكن اعتبار قيام تلفزيون فلسطين الرسمي بمنح وقتا من وقته المفروض، أنه أثمن من ثمين في زمن “المواجهة الكبرى” مع دولة الكيان، احتلالا وسياسية، وفي وقت لا زال الوضع الداخلي يشق طريقه بحثا عن “نور” عله يصل الى ميناء الصواب بعد زمن الضلال السياسي العام، لبرنامج يفتح ما فتح كان مصادفة..
لا يمكن أن يمنح مذيع، مهما كنت قدرته الخاصة جدا، ليفرض على جدول أعمال الشعب الفلسطيني، والقيادة والرئيس نقاشا يدخل الساحة الفلسطينية بكاملها في أزمة مركبة من حديث خطير جدا، هو الأول من نوعه في حياتنا السياسية عبر الاعلام الرسمي، فبعد الترويج لطرد من يعارض الرئيس وفتح المجال لنتنياهو وزمرته الفاشية لاستغلال اقوال المذيع لتمرير مشروعه التهويدي، انتقل لتوريط الرئاسة والرئيس في حديث عن “مؤامرة داخلية عربية دولية”، دون أن يرمش له جفن، وكأنه حصل على “المعلومات الأمنية صورا وسيديهات وأقوالا موثقة”، لم يهتز وتحدث بثقة لا بعدها ثقة عن اسماء بعينها ودول بذاتها، بلا أدنى حساب فيما سيكون، باعتباره حصل على الحصانة والمعلومة قبل الخروج ليستعرض ما سيكون وحدة من أخطر أزمات المشهد الفلسطيني..
ولأن باب “المؤامرة” والحديث عنها بات حديثا مجازا من قبل الرئيس والرئاسة والأجهزة الأمنية، فالأولى أن يتم كشف “المؤامرة الحقيقة” عن تلك “المؤامرة الهزلية” في مسرحية رديئة الاخراج، وليكن الكلام مباشرا، و”عالمكشوف” ايضا، بلا أي رتوش أو “فواصل اعلانية”..
بداية اخيتار توقيت فتح معركة داخلية ومع دول عربية، يمكن اعتباره ترويجا وتمريرا لـ “المؤامرة السياسية” الأكبر التي تتعرض لها القضية الوطنية الفلسطينية، منذ النكبة الكبرى الأولى عام 1948، بل قد تتجاوز في خطورتها ما كان، وعنوانه “قانون القومية اليهودي”، وهو الذي يتلخص في عبارة واحدة، الغاء فلسطين وانتاج اسرائيل،، بلا أي شرح تفصيلي، وكان صمت الرئاسة الفلسطينية عن التصدي للنكبة الثانية مثيرا للإستغراب والتساؤل السياسي..
أن يكتفي رئيس دولة فلسطين بالاشارة الى القانون الأخطر على فلسطين الوطن الهوية والقضية، في خطاب طويل بعبارة أنه لن يقبل القانون، ويزيد إن ارادوا ذلك ليذهبوا الى الأمم المتحدة ويحصلوا على يهودية دولتهم..
هل يمكن اعتبار ذلك ردا سياسيا وطنيا على المشروع الأخطر منذ النكبة الأولى، في حين تصدى للمشروع ومخاطره وللمفاجأة رئيسي دولة الكيان الحالي والسابق، واعتبراه كارثة ستحل عليهم، فيما نصح رئيس فلسطين حكومة الكيان أن تذهب الى الأمم المتحدة، في خطابه قبل ايام أمام مجلس وزراء العرب في القاهرة، وهو ما تم الأخذ به فعلا وسارعت دولة بريطانيا لذلك باستخدامها ما ورد في قرار 181 لتقسيم فلسطين بوصف الدولتين، عربية ويهودية، والذي كان في حينه وصفا تمييزا وليس توصيفا فكريا وسياسيا..
بدلا من أن يستخدم رئيس دولة فلسطين الأسلحة التي يملك، وهي وحدها وبلا أدنى دعم خارجي أو اقليمي تكفي لتهز أركان دولة الاحتلال، فقط يستخدم الحق السياسي – القانوني ضمن الاتفاقات، وبلا أي معركة عسكرية كي لا يقال أنها “مؤامرة أيضا”، ليعلن الرئيس أن قانون “القومية” يلغي الاعتراف المتبادل، وكل الاتفاقات الموقعة سابقا، وأن فلسطين ستلاحق دولة الكيان بوصفها دولة عنصرية غازية..ولديه من القوانين والاجراءات ما يكفي لوضعها الى الأبد في قفص العنصرية والمطاردة والملاحقة، بل ويحاصر الكيان قادة ومسؤولين أيما حصار..
لكن يبدو أن قيام بعض الشخصيات الوطنية لفتح معركة “قانون التهويد والقومية” أغضب بعض الأوساط المتنفذة، واستفزها الى درجة فقدانها الصواب السياسي، وذهبت لفتح ما يحرف الحقيقة السياسية كي لا يصبح النقاش الوطني لقضايا لا تريدها تلك الأوساط، فكانت المعركة الهزلية الساذجة جدا، والمشبوهة أيضا..
لم تقتصر المسرحية الهزلية -المؤامرة- على محاولة اشغال الرأي العام الفلسطيني بهوامش مختلقة، للهروب من مواجهة استحقاق “يهودية الدولة”، بل كان يراد أيضا أن يحرف مسار متابعة الانقلاب السياسي الكبير في الموقف الرسمي الفلسطيني، والانتقال من خوض معركة انهاء الاحتلال الى فتح مسار المفاوضات مجددا، والغاء المشروع الوطني الفلسطيني المتفق عليه في القيادة الفلسطينية، الى البحث عن مشروع أميركي جديد بعباءة اوربية ويخرج بصيغة قرار من مجلس الأمن، سيكون سوطا لجلد شعب فلسطين وقضيته..
فالمشروع الأميركي – الاوربي الجديد، يتحدث عن مفاضات جديدة لعامين على الأقل تحت اشراف دولي، يتفح الباب للوصول الى حل سياسي يستند الى العناصر التالية:
*قيام دولتين “واحدة فلسطينية وأخرى يهودية”- التسمية مشتقة من قرار التقسيم، وهو يتحدث عن الوصف وليس مضمون القرار وحدوده التقسيمية لفلسطين التاريخية..
*حل عادل لقضية اللاجئين، تعويضا وتوطينا..دون أي اشارة لقرار 194، والذي ينص على حق العودة، أو حتى المبادرة العربية التي تحدثت عن حل متفق عليه..بل هو قرار سيفرض الغاء لحق اللاجئين الأصيل في العودة ويفرض الثانوني وهو التعويض..
*القدس عاصمة لدولتين، مع الأخذ بالاعتبار التغيرات الديمغرافية التي حدثت منذ العام 1967، ما يعني موافقة على كل النشاط الاستيطاني والتهويدي الذي حدث، باختصار مصادرة بعضا من روح القدس وفتح الباب لاقامة “مدينة داوود” على أرض القدس العربية، فيما يتحدث البعض عن نص يعتبرها مدينة مفتوحة بما يضمن حرية العبادة للجميع، وهو ينص يراد منه تسهيل دخول اليهود للحرم القدسي الشريف..
*تقوم الدولة الفلسطينية على اساس حدود 1967 مع تبادل متفق عليه، وقد يضاف له كلمة في المساحة، وشطب كلمة القيمة، تبادل غير متساو وغير منطقي، في ظل المساحات الاستيطانية المصادرة استيطانيا في الضفة الغربية، خاصة بعد ن اخرجوا القدس منها..
*مدة التفاوض عامين مع وضع آلية اشراف عليها دون رقابة او اي ضمان حقيقي لالزام دولة الكيان..
وسيلاحظ أن مشروع القرار المتداول للنقاش في اروقة الأمم المتحدة اسقط عمليا المشروع الفلسطينية لانهاء الاحتلال، والمفاوضات تجري الآن لتحسين بعض نقاط مشروع أمريكا – اوروبا وليس تعزيز مشروع فلسطين، فيما لا يوجد أي مؤشرات على الزام دولة الكيان بوقف الاستيطان والتهودي..
وافتراضا كل حسن النوايا في الكون، وان دولة الكيان وراعيها الرسمي امريكا ستوافقان على البدء التفاوضي لمدة عامين، الا يتذكر البعض أن دولة الكيان ستكون “دولة عرجاء” على الأقل لمدة 6 اشهر مقبلة، ولو قبلت حكومة الكيان القادمة بعد الانتخابات القرار الباحثين عنه، لن تبدأ مفاوضاتهم ربما بعد نصف عام وأكثر، ما يعني أن الفترة عمليا ستصبح 3 سنوات..
ولكن كل ذلك لا يوجد به ما يمكن اعتباره الزاما سياسيا.. بل لم يتحدث مشروع القرار عن أي عقوبة لو رفضت دولة الكيان القرار اصلا، وماذا سيكون الرد بعد اضاعة القوة الفلسطينية الفعلية وزمنها المشروع، وما قد ينتج عن قبول الرئيس عباس خلافا وطنيا حادا لن يجد فصيلا وطنيا يوافق عليه سوى حركة فتح، وربما بعض من فصائل معينة..لكن القوى الرئيسية الأخرى، من حماس وجهاد وشعبية وديمقراطية وحزب لن تقبل مطلقا، وهو ما يعني انقساما سياسيا أخطر مما هو الآن..
المؤامرة هي هذه وليست غيرها، فمن يريد مواجهة التآمر ليبدأ من اسقاط هذه العناوين ومن يذهب لغيرها يصبح هو المتآمر الحقيقي على فلسطين القضية والوطن والشعب..
بالمناسبة لم نتحدث عن نسيان كل الوعود التي اطلقت منذ عام 2012 يوم انتصار فلسطين في الأمم المتحدة، من توقيع لانضمام لمؤسسات دولية هي حق فلسطيني ومحكمة الجنايات الدولية بعد أن وقعت الفصائل واسقطت ذريعة حاول البعض استخدامها..
سؤال هل يمكن ان يتطوع البعض ويخبر الشعب الفلسطيني ما هي المكاسب – المنجزات التي حققتها القيادة الفلسطينية منذ 29 نوفمبر 2014 حتى الآن..الخسائر نعرفها جيدا جدا!
المؤامرة التي يجب التوحد لاسقاطها واضحة جدا لمن يريد فعلا مواجهة المؤامرة..أما البحث عن مسرحيات رديئة الاعداد وفتح معارك وهمية دينكوشيتية فهي ليس سوى وجه آخر للمؤامرة الفعلية على فلسطين وطنا وشعبا وقضية!
ملاحظة: 1800 قضية فساد في وزارة علم عنها الوزير بالصدفة.. يبدو ان الوزير السابق أو الأسبق للوزارة التي بات اسمها معلوم، سيذهب الى جنهم لو كان الحق هو الحكم، دون تدخل من جهات فوق القانون..سنرى!
تنويه خاص: داعش هي حماس وحماس هي داعش..مقولة للناطق الرسمي باسم فتح..هل استمرار التواصل بين فتح و”داعش الجديدة” سيكون مقبولا بعد اليوم يا قيادة فتح..يبدو أننا دخلنا عصر الهجص السياسي..ومجددا “كاسك يا وطن”!


