كتب حسن عصفور / قبل أيام تداول الإعلام الإسرائيلي خبرا يقول إن الوزير الليكودي جدعون ساعر صاحب ملف ‘ التربية والتعليم’ في حكومة نتنياهو قرر إلغاء ‘ اتفاق أوسلو’ من المنهج التعليمي الإسرائيلي ومعه أيضا حرب إسرائيل على لبنان العام 1982 ، في خطوة أثارت نقاشا ‘خاصا’ داخل إسرائيل ، ودون أن يكون لها صدى ، سلبا أو إيجابا عربيا أو فلسطينيا ..
قرارا الوزير الليكودي يرتبطان بما له صلة بمنظمة التحرير الفلسطينية وما ترمي إليه من رمزية كيانية وطنية ، فالحرب الإسرائيلية العام 1982 استهدفت أولا وأخيرا محاولة استئصال الوجود السياسي والعسكري لمنظمة التحرير وكذا الثورة الفلسطينية في لبنان ، وكان الهدف الإسرائيلي غاية في الوضوح ، وخاضت إسرائيل حربها الأطول عسكريا وحصار لأول عاصمة عربية دام 88 يوما ، انتهى بخروج القيادة الفلسطينية ورمزها الخالد ياسر عرفات إلى تونس وغيرها من أقطار عربية ، اعتقد كثيرون أنها نهاية عصر فلسطيني وبداية مرحلة ‘ تدجين جديدة’ .. ولكن ما كان غير ما أريد .
ونهضت المنظمة والثورة كطائر الفينيق ثانية ، وفشلت محاولات إسرائيل بخلق ‘ بدائل محلية’ لها ، حيث عملت إسرائيل لتحضير ‘ روابط القرى’ ودعم بعض الاتجاهات المناوئة لمنظمة التحرير علها تخلق إرباكا للتمثيل الوطني الفلسطيني ..ولذا كانت حرب بيروت – لبنان هزيمة سياسية إسرائيلية لصالح منظمة التحرير وقوى لبنان الوطنية ، وهو ما يحاول ‘ الليكود ‘ صاحب قرار الحرب آنذاك بمسخه من التاريخ ، وبالتالي كان القرار بحذف تلك ‘ الحقبة’ بأبعادها من منهاج التربية والتعليم ..
وجاء إلغاء ‘ اتفاق أوسلو’ ليمثل فتحا لنقاش متعدد الأوجه ، حيث يشكل هذا القرار تأكيدا رسميا من حكومة نتنياهو بقطع أي صلة لها بما تم الاتفاق عليه سابقا ، مع منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي – الوحيد للشعب الفلسطيني ، ومن هنا تبدأ حكاية الإلغاء ‘ التعليمي’ ، فالليكود الذي حارب اتفاقية أوسلو أضعاف بعض محاربيها العرب والفلسسطينيين حيث يعتبرها ‘ خطرا سياسيا كبيرا’ على المشروع الصهيوني ، بداية باعتبارها أجبرت دولة المحتل على الاعتراف بالشعب الفلسطيني شعبا له ممثل وطني يجسد تطلعاته السياسية – الوطنية ، وهو ما يتناقض كلية مع جوهر ‘ المشروع الصهيوني التاريخي ‘ .
كما العودة لنصوص الاتفاق بذاته وليس نقلا عنه ، سيظهر أن هناك تسجيلا وإقرارا بأن الضفة الغربية وقطاع غزة أرض فلسطينية وتشكل وحدة جغرافية واحدة ، تكون الولاية عليها فلسطينية ، ( عدا مواضيع الحل النهائي) ، فيما تم انتزاع تمثيل القدس الشرقية لتصبح جزءا من الشرعية الفلسطينية وهو ما شكل ضربة هائلة وهزيمة للمشروع الإسرائيلي بضم مدينة القدس الشرقية عام 1967 وإعلانها ‘ مدينة موحدة’ ..
هذه القضايا التي أدرك الليكودي أولا والإسرائيلي عامة أنها تشكل خطرا جديا على ما تربو عليه فكرا وعقيدة وسياسية تنكر وجود الأرض والشعب الفلسطيني ( لذا كان قرار اغتيال رابين موقع تلك الاتفاقية) ، وهو ما تسعى اليوم إليه ثانية حكومة نتنياهو من ‘ عمل تهويدي’ واستيطاني واسع ضد الأرض الفلسطينية وخاصة داخل مدينة القدس الشرقية ، كما أن إسرائيل التي باتت تصرح علنا أن منظمة التحرير لم تعد تمثل الشعب الفلسطيني ، تعمل ضمن ‘ خطة خاصة’ للعمل على ما حاولته بعد العام 1982 بمحاولة خلق’ بدائل للمنظمة التحرير’ بمسميات مختلفة ، لكنها اليوم عبر أشكال جديدة مستغلة الانقسام الوطني وموقف حماس من المصالحة الوطنية والسيطرة على قطاع غزة ..
وجاءت تصريحات وزير المخابرات الإسرائيلية لتلقي الضوء على هذا المخطط ، والذي سبق أن عرضه وزير الحرب الأسبق شاوؤل موفاز بعد الحرب على قطاع غزة ، بمبادرة الحوار مع حماس ، وما جاء على لسان ليبرمان بأن لا حل موجود في الأفق مع الطرف الفلسطيني .. كلام يهودي لا يأتي من فراغ ولا يقال لتعبئة الوقت الشاغر ، فدولة المحتل تعرف ما تريد من قرارات كهذه .. ولذا جاء إلغاء ‘اتفاقية أوسلو’ من المنهاج التعليمي خطوة جديدة في سياق ‘ حرب تمثيلية قادمة ‘ ..
معارضو ‘اتفاق أوسلو’ العرب والفلسطينيون ليس مطلوبا منهم تغيير موقفهم ولكن من المفيد قراءة الموقف الإسرائيلي من جديد ، فبعض التعقل لا ينهي اختلافا مشروعا لو كان منطقيا ..
ملاحظة : مؤشرات ‘ إيجابية’ حول إمكانية وقف قرار إبعاد نواب حماس المقدسيين .. التفاعل الإيجابي بين النواب والرئيس عباس بشرعيته أثمرت .. هل يمكن استثمار ذلك أكثر .. يا ريت ..
تنويه خاص : المبعوث الأمريكي ميتشيل أردناه عونا لحل ، بات يبحث عندنا سندا لعونه على بيبي .. زمن غرائبه لا تتوقف .. ولكن هل تتوقف اتصالات لا جدوى منها .. فرصة ..
*** ينشر في ‘ جريدة الدستور’ اليوم
التاريخ : 1/7/2010


