كتب حسن عصفور/ مارست حركة “حماس” هواية استعمال العداد اليومي لإخبار الشعب الفلسطيني عن انتهاء أجل حكومة “أتفاق الشاطئ”، المشكلة في ابريل 2014، بعد حفلة تقبيل وتصريحات كلامية يمكن وصفها بأنها باعت “الوهم السياسي” لشعب كان يعتقد أن حبل الكذب انقطع مع الاتفاق، ووفقا للعداد الحسابي فيوم الثاني من ديسمبر 2014 هو االأخير لحكومة “اتفاق الشاطئ” اياها..
حكومة مر عليها نصف عام، ولم نعرف ما هي صفتها الحقيقية، أهي حقا كانت “حكومة توافق”، أم “حكومة تنافر”، أم أنها حكومة محدودة المكان والزمان والقوة، ولو أعملنا العقل قليلا، وبلا عاطفة، لا يمكن اطلاقا أن يتم وصفها بأنها كانت “حكومة توافق وطني”، فهي لم تمارس اي من سياسة يمكن ان تجسد تلك الروح التي لها أن تتفق والتسمية، بل أن غالبية القوى الوطنية الفلسطينية، ومنها بعض فتح، لم تلمس تلك الصفة التي أسميت بها..
فهي لم تقم من حيث الجوهر بدورها الفعال، او المنوط بها، كحكومة وطنية تغطي مساحة “بقايا الوطن” في الضفة والقطاع والقدس، حكومة ابرز ملامح حضورها كان في بعض الضفة، وغاب عنها قطاع غزة، طوال الأشهر الستة لعمرها، عدا رحلة لساعات محدودة، اقتصرت على زيارة منزل القيادي الحمساوي اسماعيل هنية ومنطقة ضيقة في بيت حانون، ولذا كان الصفة الأشهر لتلك الزيارة التي أطلقها “الغزازوة” تندرا، بأنها زيارة “اكل السمك والجمبري” في بيت اسماعيل هنية العامر!
ولكي لا تبدأ رحلة الأعذار الساذجة لغياب الحكومة الفعلي عن القطاع، بأنها لا تملك سلطة الأمن والقرار هناك، فذلك السبب بذاته يسقط عنها صفة “حكومة توافق وطني”، فمن لا يملك القرار الأمني لا يملك السلطة، أليس ذلك ما تود الحكومة قوله، وهل من لا يملك سلطة القرار يمكن ان يصف ذاته بحكومة توافق وطني إذا..هي باختصار وحسبما تقول حكومة بنصف سلطة وبنصف قرار، او بالأدق شبه قرار وشبه سلطة..
بالمناسبة ذات الحكومة لم تر القدس المحتلة سوى مرة واحدة أيضا، رغم أن وزيرها الأول يستطيع الذهاب لو أراد بحكم ما يملك من وثيقة مرور خاصة، ولكنه تعامل مع القدس ومناطقها، حتى تلك التي هي تحت سيطرة السلطة وفقا للاتفاق بذات الشعار ..السلطة – الحكومة لا تملك لا سلطة ولا نصفها ولا أي منها في القدس المحتلة، ولذا حرمت زيارتها، الا مرة واحدة خصصت للتصوير مع بعض رجال القدس داخل الحرم القدسي الشريف، وبجانبه قادة الأمن المخلصين..
ولأن المسألة الجوهرية التي يبحث عنها أهل “فلسطين” ليس ما فعلت، كونها ستسقط سقوطا مدويا لو تم حساباها ضمن معيار النتائج، وقد يرى البعض ارسال أوراقها الى القضاء ايضا، بل لأن المطلوب هو البحث في كيفية تطوير العمل الحكومي بما ينقلها من حال الارتباك، والضعف بل كثيرا الجبن السياسي، الى حكومة تكون رأس حربة لمشروع المواجهة الوطني الفلسطيني..
لو صدق الحديث عن مشروع كفاحي وتصد لمشروع احتلالي، ومطاردة المحتلين ووقف كل اشكال التنسيق، وبحثا عن تعزيز رابط الوحدة بين الضفة والقطاع وتأكيد أن القدس عاصمة ابدية لـ”دولة فلسطين”، فقطعا ما هو قائم من تشكيل حكومة لن يكون مناسبا..فما بالنا لو أضفنا لها اعادة اعمار القطاع، وتصعيد روح المقاومة الشعبية ضد دولة الغزو، وتكبير دور المقاطعة الشاملة للكيان، وتنمية قدرة المقدسيين على مواجهة المشروع الاستيطاني – التهويدي، والفعل المتصدي للارهاب اليهودي في القدس عاصمة الدولة الوطنية الابدية..
اختصارا مطلوب “حكومة برنامج وطني سياسي” بكل ابعاده، الكفاحية، الاقتصادية – الاجتماعية والثقافية، بما يكون تنفيذيا لمشروع المواجهة الوطني الذي ينتظره الشعب وفقا لما تم الاعلان عنه مؤخرا في قرار عربي..
هل الحكومة – تجاوزا يمكن تسميتها حكومة باعترافها أنها لا تحكم لا في غزة ولا القدس – القائمة يمكنها أن تكون رأس حربة هكذا مشروع، بلا أدنى تفكير نقولها ..لا كبيرة جدا..هذه حكومة يمكن أن تكون أفضل حكومة في التاريخ، ولكن لبلد ولشعب غير فلسطين والفلسطينيين..
لذا ليس مطلوبا الاستمرار في جدل هل انتهى أجل الحكومة الزمني أم لم ينته..بل علي الجميع التفكير، رئاسة وقوى كل باسمه هل يحتاج الشعب الفلسطيني في الوقت الراهن لحكومة غير التي نرى..الجواب الأكبر نعم ونعم فنعم..مطلوب حكومة “برنامج وشراكة وطنية شكلا ومضونا”..
ولكن هل هناك امكانية وفقا للمشهد “الردحي” القائم لتشكيل “حكومة شراكة وطنية”..قطعا لا يوجد ما يؤشر على ذلك..فلا “فتح” في عجلة من أمرها تخوفا من عودة المجلس التشريعي للعمل بكل ما يحمله من حسبة عامة، قانونية وسياسية بما فيها رأس المجلس ودوره المحتمل كرأس للسلطة، ولا “حماس” بقادرة على تغيير جلدها في سيطرتها على قطاع غزة، وما يتبع ذلك لو أنها تخلت عنها..
لسان فتح يقول: لن تكون “حكومة شراكة مع حماس” ما لم تعلن البراءة – الطلاق عن جماعة الاخوان المسلمين..فالرئيس محمود عباس لن يفلعها لأسباب عدة..وتصريحاته الأخيرة في مصر ليس اتهاما فحسب، بل هي إدانة سياسية لها، فكيف لها ان يكون “شريكا لحركة بكل تلك الاتهامات والادانات السياسية”، وأكمل مستشاره للشؤون الدينية جملة الاتهامات والبراءة، بقوله “لا علاقة للسلطة بسياسة “حماس” ومواقفها”..
نحن أمام معضلة مركزية تفوق قضية “تفجيرات غزة” المعيبة وطنيا وأخلاقيا..وعليه لا أمل بحكومة جديدة مختلفة قريبا..التكيف مع المشهد لسان حال الجميع، ما لم يخرج من يكسر جرة الصمت ويعلن ما يجب اعلانه من “تمرد” شعبي على الحال القاتل سياسيا ووطنيا!
ملاحظة: مبروك لمنتخبنا الوطني في كرة القدم فوزه بلقب الأفضل في اسيا..رائحة فخر تطل في فترة “كآبة سياسية”..
تنويه خاص: رحلت الكاتبة المصرية رضوى عاشور زوجة الشاعر الفلسطيني مريد وام الشاعر الفلسطيني تميم..كاتبة بدرجة مناضلة ادبا وزوجة وموقفا..كتبت ما يستحق التخليد، وكافحت ما يستحق التقدير..ليت الرئاسة الفلسطينية تضعها على جدول توزيع “الأوسمة التقديرية”..هي أكبر من وسام لكنه الوفاء لا أكثر!


