كتب حسن عصفور / قد يجد المرء نفسه كثيرا أمام ذاك السؤال الذي يبرز بين حين وآخر ، لماذا يحق لسوريا أن تفعل وأن تقول ما يحلو لها دون أن تجد غضبا ممن يغضبون من ‘ الهواء الطاير ‘ كما يقال ، الغاضبون العرب قوى وأحزاب وبعض شخصيات باتت بلا هوية سياسية وفكرية واضحة المعالم ، إلى جانب بعض قوى ‘الإسلام السياسي’ رغم أن فرعها يتعرض لمطاردة منذ سنيين طويلة ، كما أن بعض الصارخين حرية وديمقراطية هم كغيرهم لا يتذكرون من هم داخل السجون أو الاعتقال دفاعا عن حرية كلمة ونقد ممكن وبأدب شديد أيضا ..
مفارقات البعض مع السياسة السورية يثير الدهشة أكثر كثيرا من الممارسة السورية ذاتها ، بل تجدهم يدافعون عن أي سلوك أو ممارسة حتى لو جاءت ضد العروبة والقومية ، ويتذكر كل ذي ذاكرة كيف كان الرئيس بشار الأسد واضحا جدا في دعم حرب تركيا العسكرية ضد العراق شمالا قبل عامين ، وهو العروبي – القومي ..
وكثيرة هي الأمثلة التي يمكن أن تحضر في سياق الدلالة هذه ، لكن ما حدث في الأسبوع الأخير من سوريا لا يدعو للدهشة فحسب بل لطرح التساؤل الأكبر لماذا سلوك كهذا لا يثير ‘ حفيظة’ المتصارعين كلاما دفاعا عن الحقوق القومية ، فالأسبوع الماضى نشرت جريدة ‘ حريات ‘ التركية مقابلة للرئيس الأسد يناشد حكومة أردوغان بتصويب علاقتها مع إسرائيل ووقف حالة التدهور بينهما وإلا فقدت ميزتها كوسيط تفاوضي بين سوريا وإسرائيل ،ووصل الأمر بإشاعة أن دمشق ستنقل مقر المفاوضات مع تل أبيب إلى باريس ، طلب هو الأول في تاريخ المنطقة السياسي ، أن يطلب رئيس عربي من دولة غير عربية مثل هذا الطلب ، ولا يتم نفيه ولا يتم تناوله سياسيا ، سلبا أو إيجابا ، ولا تفتح له تلك ‘ المحطة الكريهة الصفراء ‘ خطا ساخنا مع من تتصل بهم تحريضا ، كما أن قوى ‘ الممانعة ‘ و’ المقاومة’ وحماس ‘ لم تتحدث شيئا عن ذلك ، وتجاهلته كل التجاهل ، وكأنه دعوة للجهاد الأكبر ..
وكي لا تكون المفاهيم ملتبسة ، سارع الرئيس بشار الأسد قبل يومين بتقديم رؤيته الخاصة حول الأزمة السياسية الحالية ، فتحدث الرئيس بشار عن أن الاستيطان مهم ولكنه ليس الأهم لكي يخلق أزمة .. كلام قد يبدو طبيعيا بل وصحيحا ، لكنها المرة الأولى التي يتحدث بها مسؤول سوري بمثل هذا القول ، بل لو عاد الإنسان للبحث فيما قاله السوريون حول الاستيطان بعد أوسلو فقط ، لوجد النقيض الكلي لما قاله الأسد ، كما أن الكلام بهذا التعبير لم يأت باجترار كلام بل هو رسالة ضد الرئيس عباس وموقفه الأخير ، وهو بهذا يرسل لواشنطن وتل أبيب رسالة تقول بأننا أكثر عقلانية من غيرنا ، كما هي رسالة تخلي عن علاقة اعتقد البعض الفلسطيني أنها باتت إيجابية مع الرئيس عباس وهي ثالثا محاولة سرقة ‘ ضوء إعلامي’ واهتمام سياسي سحبه الرئيس عباس من دمشق سياسة وفصائل تلهث لتبرر موقف بات مكشوفا بتناغمه مع العدو الوطني للمشروع الفلسطيني ..
السلوك السياسي السوري هو رسالة خاصة ربما لا يضاهيها أحد ، فهي تدرك أن ‘تشددها’ رسالة نحو ‘ القبول ‘ وتحاول أن تجعل من ‘ اعتدالها’ تشددا للمقبول .. كما هي دعوات المقاومة من كل مكان إلا من الأرض السورية .. كما هي المفاوضات مع إسرائيل مرفوضة وضد الأمة ومصالحها ما لم تمر من سماء دمشق .. كما العروبة والقومية إلا أن كانت لها نكهة تركية في زمن ‘ الهروب ‘ من محور إلى محور .. سياسة حقا تثير غريزة الفكر في زمن لم يعد بالإمكان تحديد معنى الكلام السياسي عند بعض ‘ العرب’ ..
ملاحظة : تمكن الزعيم الخالد ياسر عرفات من إعادة صياغة معادلة الموت .. كونه يبدأ كبيرا فيصغر ، هو يكبر يوما بعد آخر .. الحنين لك زعيما كشفت مستور المزاودين والمخادعين منذ زمن .. رسمت مبدأك التاريخي : استقلالية القرار الوطني .. فكان الاستشهاد . ثمنا .. طابت روح من لا يموت..
التاريخ : 11/11/2009


