كتب حسن عصفور/ منذ أيام وحركة “حماس”، كأنها تبحث عن تقديم أفضل السبل التي تستخدمها دولة الكيان وطغمتها الفاشية الحاكمة لفرض الحصار الكامل – المطلق على قطاع غزة، بدأت في تقرير صحفي نشرته صحيفتها التي تصدر بغزة، الرسالة، عن استئناف العمل بنشاط ووتيرة أعلى في الانفاق على الحدود بين القطاع والكيان، ومن قرأ التقرير أدرك أنها حركة “استعراضية ساذجة”، ليس لها من هدف سوى منح الكيان ذريعة للبدء في تعطيل ادخال مواد الاعمار، والتي هي بالأصل تسير أبطئ من مسار السلحفاة..
وظننا، ودائما حماس تؤكد للعامة بسلوكها أن “بعض الظن إثم”، ان نشر التقرير ليس سوى رفع للحالة المعنوية وطريقة “غير ذكية للرد على آلية “الاتفاق الثلاثي” لادخال مواد الاعمار، بعدما وافقت القيادة السياسية لحماس عليها، فلجأت القيادة العسكرية للتعبير عن الرفض بطريقتها، معتقدين انها “مناكفة وستنتهي”..
وايام قليلة، وجاء نشر تقرير ثان في ذات الصحيفة، بأن “كتائب القسام” تواصل حفر الانفاق وترميمها ولكن بالطوب الأحمر، وليس بالاسمنت، وكي تكمل حماس حلقتها “المبدعة جدا” في جلب الأضرار، بدلا من جلب المنافع ودرء الضرر، خرج القيادي الأمني – العسكري البارز فتحي حماد ليفتح الباب لتصريحات عن عودة الحيوية والنشاط لـ”مصانع حماس الحربية”، واعادة “خط انتاج الصواريخ والأسلحة الخارقة – الحارقة” الى العمل، بوتيرة اسرع، وهمة أعلى، وربما بجودة افضل..
من يقرأ تلك التقارير والتصاريحات لن يحتاج، لا ذكاءا ولا جهدا ليدرك أنها رسالة الى حكومة نتنياهو، تقول لها متى ستغلقين المعابر، ووتتوقفين عن ادخال مواد الاعمار، فقد “قدمنا لكم كل الذرائع”، ويبدو أن التصريحات لم تكن كافية لجلب الحصار أكثر والاغلاق الكلي، فلجأ بعض من الأذكياء الى اطلاق صاروخ عله يسارع في احراج نتنياهو ويقدم على ما طال انتظاره..اغلاقا وحصارا شاملا كاملا وافيا مكتمل الأركان..وكان أخيرا!
قد يرى البعض في ذلك مغالاة لقراءة بعض “التصرفات الحمقى” التي صدرت من أطراف حمساوية، الا أن التدقيق في قرءاة التطورات سيصل الى ذات النتيجة، ان حماس تبحث اغلاقا اسرائيليا شاملا، وهي من سعى له بسبل لم تعد خافية على أحد..دون التخلي ان دولة الكيان هي بالأصل تريد ذلك وتقوم به، وقد لا تحتاج لذريعة، لكنها احيانا تريدها وتنتظرها!
وتبدأ المسألة بآلية اتفاق حول اعمار غزة أخرجت حماس كليا من المشهد، وفرضت عليها الموافقة رغم أنها تحمل “شروطا مذلة”، واعتقدت أن موافقتها الصامتة ستمنحها دورا عمليا في التنفيذ، وبها تحاول اعادة العلاقة مع أهل القطاع التي أصيبت بارتباك شديد وخلل قد يكون الأكبر خلال سنوات الانقلاب، ولكن ما حدث لم يأت بقدر التوقعات، فالمواد تدخل بالقطارة ما زاد الغضب غضبا، وأهل القطاع لا يرون الا قوات حماس أمامهم فتكون وكأنها “كيس الملاكمة” المستخدم لتفريغ طاقة الغضب الغزية عليهم..
ولأن المال بات جزءا حيويا للحركة في ظل تطورات المشهد، جاءت أزمة الرواتب لموظفيها لتخلق حالة توتر كبيرة، كان يمكنها أن تخلق أزمة مستعصية ليس ضد الحكومة “التوافقية” بل ضد حماس، ما قد يفتح بابا واسعا لكيل الاتهامات لقيادة الحركة، أنها حسنت وضعها العام على حساب قواعد الحركة، وهي أزمة لا تحتملها قيادة الحركة في ظل وضع القطاع بعد الحرب، وما اصابه من تدمير ودمار..
بينما لم تأت سلوك وتصرفات حكومة التوافق بشيء مما رمت له حماس في القطاع، بل أن هناك في داخل السلطة من يبحث “الفكاك” من “شراكة مقيتة” وكأن حالهم يقول “اللي شبكنا يخلصنا”، لذا لم تبذل حكومة الرئيس عباس أي جهد حقيقي نحو القطاع..
وجاءت الطامة الكبرى من حيث لم تحتسب الحركة، عندما قررت مصر أن تخوض معركة وطنية كبرى ضد الارهاب في سيناء، ولحماية أمنها القومي بكل السبل، المتوقعة وغير المتوقعة، فأقدمت على قرار خارج حسابات قيادة حماس، لإقامة “منطقة أمنية عازلة” على الحدود بين مصر وقطاع غزة، للمرة الأولى في التاريخ..
وهي رسالة سياسية غاية في الوضوح، أن الحالة القائمة في القطاع، باتت تشكل “خطرا قوميا” على أمن مصر، كما أنها ترسل رسالة الى الشرعية الفلسطينية عن حقيقة الوضع القائم في القطاع، فسارع الرئيس عباس بالتبرأ من الواقع القائم، مؤيدا كل خطوات مصر، ما أوقع حماس في فخ سياسي من نوع خاص، خاصة وانها ارتكبت خطئية كبرى عندما تجاهلت الادانة واكتفت بتقديم واجب العزاء وشرب القهوة السادة في بيت عزاء اقيم في غزة للجنود الشهداء من الحادث الارهابي..
ولأن مصر لم تعد في زمن العبث والتردد فأقدمت وبسرعة قياسية على اتخاذ خطوات ميدانية سريعة جدا، ترمي لغلق الانفاق بكل أشكالها، وهو ما يعني اغلاق أهم بوابة لحماس مالا وعتادا، واستكمالها سيعني موت بطيئ للحركة لصالح غيرها، وأدركت أن ساعة أجل رحلة “الثراء والمنظرة” دنت..
حماس لا تجرؤ الآن اظهار عداءا لمصر، وتتركه لبعض وسائل اعلامها نصف المرئي او غير المرئي، وتتيح التعبير لعناصرها بإستخدام مواقع التواصل الاجتماعي التعبير عن ذلك، والاختباء خلف قنوات قطر ووسائل اعلام تركية، خاصة وكالتها الاشهر بالعربية، للتعبير عما لا تستطيع حماس قوله ضد مصر وخطوتها..
ولأنها تعلم أن المعركة مع دولة الكيان هي معركة تستجلب العطف والتأييد، لجأت الى حركة استجلاب الضرر، فقامت بما قامت كي تحكم اسرائيل اغلاقها، وتبدأ حركة الصراخ الانساني في مأساة القطاع، وحصار مليوني انسان، وتتجه الى مصر أن تفك الحصار وفتح معبر رفح وربما تبدأ رحلة مناشدة وقف حملة اغلاق الأنفاق، وأن تقوم بعملية تحريض شعبية ضد مصر تحت شعار فك الحصار عن قطاع غزة..
لعبة ساذجة جدا..وسلوك يجب محاسبتها عليه، وسيتغلها بعض الكارهين للمصالحة وانهاء الانقسام للحديث “الم نقل لكم”..
قيادة حماس وليس غيرها مطالبة باجراء مراجعة سريعة جدا لسلوكها وتكتيكها قبل فوات الآوان..ولتدرك جيدا ان الوقت غير الوقت، وأن العامة في البلاد العربية باتت كارهة جدا للجماعة الإخوانية، حاضنتها الفكرية..بل أن قطر قريبا قد تجبر مشعل ومن معه للبحث عن مكان جديد للاقامة بعد أن منعته من الكلام وسكت كشهرازد عن “الكلام المباح”..وليخبرونا متى كانت آخر مقابلة اعلامية صوتية متلفزة لمشعل..حتى فجيعة الأقصة لم تستعطف جزيرة البلدة لمقابلة شمعل!
أما إن كانت تريد التعيش مع فكرتها “العبقرية جدا” بانتظار رجالها رجب وتميم وابو تميم ومشعلهم وربما قرضاويهم وعزميهم فستنتظر طويلا، إن كان لها زمن ومجال للانتظار..
يا سادة الوقت غير الوقت والواقع الآن غير الواقع..وحاولوا أن تروا ما يقول “مثلكم” الغنوشي، وكيف يحاول تدوير الزاويا كي يتجنب “نبذا سياسيا” مقبلا!
لبعض قادة حماس فكروا بعمق بعد أن تأخذوا نفسا عميقا لتجنب مصير أكثر قتامة مما تظنون، ولا تسمحوا لبعض العابثين بأن يدفع قطاع غزة ثمنا لأطماع لا مستقبل لها..!
ملاحظة: فتح تعلن أن الاحتفال بذكرى عشرة سنوات على اغتيال الخالد ابو عمار سيكون في ساحة الكتيبة بغزة..هل سيحضر الرئيس أو قادة فتح مهرجان الذكرى..بل هل لا زال قائما أصلا!
تنويه خاص: 97 عاما مرت على الوعد الأسود والأسوء..بلفور اليهودي الانجليزي الذي “لا يملك” منح “من لا يستحق”..ننتظر اليوم رسالة من القيادة في هذه الذكرى..إن لم تتجاهلها لحسابات “معلومة”!


