كتب حسن عصفور/ اثارت حادثة “التطاول السياسي – الشخصي” على محمود الهباش، قاضي القضاة الشرعي ومستشار الرئيس محمود عباس للشؤون الدينية وغيرها، حالة من الجدل، بين من اعترض لرفض مبدأ التطاول بتلك الطريقة، في مدينة القدس، ومن صمت دون إدلاء بموقف مما حدث، وكأن الموضوع جرى في بلاد أخرى، فيما اتجهت “الرئاسة الفلسطينية” وبعض أطراف وشخصيات، بكيل التهم كيفما جاء الى “المتطاولين” على د.هباش..
بداية فعل التطاول الشخصي بذاته فعل منبوذ، ولا يحتاج لأي تبرير مهما كان الإختلاف أو حتى الخلاف، كما ان مقام المنصب يفرض بعضا من الهيبة التي يجب عدم القفز عنها وضرورة احترامها كجزء من احترام الدولة – الوطن، فيما مدنية القدس ومقدساتها لا يجب أن تكون مكانا لأي فعل منبوذ تجاه شخصيات رسمية فلسطينية، خاصة وأن اللغة العربية تختزن من الامكانيات للتعبير عن الرأي وتقديم كل ما يمكن من ملاحظات أو وجهات نظر، ردا على اي وجهة نظر لهذا أو ذاك، دون أن نغفل ما على القاضي – المستشار من “لغط سياسي”، وما جانبه التوفيق في تصريحات تستفز “الحجر الفلسطيني”، عندما ساوى في حرمة الدم بين شهيد يدافع عن بلده ومستوطن مستعمر محتل، وقد خانه التوفيق بكل أركانه، وغيرها من تصريحات تحتاج لصبر ايوبي لسماعها، لكن ذلك لا يجب أن يقود من يعارضه للتصرف بسلوك خارج النص الشعبي الفلسطيني..
ولذا لا بد من ادانة الفعل الذي حدث من تطاول على شخص القاضي – المستشار، ولكن لماذا لا يفكر البعض في سبب زيادة مخزون “الكراهية السياسية” نحو عدد من مقامات السلطة، ومن الذي بدأ في ترسيخ ثقافة “التخوين” والقاء التهم كيفما يحلو له دون ان يقف البعض لوضع حد لنهج سيقود حتما لتعميمه ولن يبقى “حكرا” على من يستخدمه، ولعل اهل فلسطين، رفضوا ولا زالوا يرفضون اي محاولة لتعميم مفاهيم “التكفير الديني”، التي أنتجتها قوى “الظلام السياسي الدينية”، وحاولت استخدام الدين لتمرير مفاهيم تغطي بها عجزها الخاص، فيما لجأت قوى أخرى ومقامات محددة، باستعارة نظرية “التخوين السياسي” ردا على المخالفين أو المعارضين، سواء كانوا على صواب سياسي في المعارضة او ليسوا كذلك، لكن البعض “العاجز سياسيا” لم يتمكن من تحمل المعارضة فلجأ لاستخدام وترويج لغة “الاستعباط” لتعويض “النقص الذاتي” في المواجهة السياسية..
ولعل الجميع لا زال يذكر خطاب الرئيس محمود عباس أمام المجلس الثوري لحركة فتح، عندما سمح لنفسه، وبلا أدنى شعور بالمسؤولية لاتهام شخصيات محددة، بتهم ما كان لها أن تمر، إما بأن يقدم الرئيس ما له لتأكيد ما قاله، او كان عليه أن يتراجع فورا، ويعتذر، وما كان للقيادة الوطنية أن تصمت على تلك الأقوال مهما كان شخص قائلها، فمن يسمح لذاته باتهام الآخر، هو ذاته يسمح للآخر باتهامه..فتبادل الاتهام لا يعرف الفرق بين المقامات..
ولأن الحساب السياسي الوطني لم يكن حاضرا أمام ذلك الخطاب المعيب بكل المعاني، فقد سمحت الرئاسة الفلسطينية، واجهزتها الاعلامية الخاصة، بأن تكيل التهم لكل من يعارض مواقف الرئيس عباس، حتى خطاب جدة الذي كان مصيبة سياسية عامة، وصل الأمر بالرئاسة وبعض شخصياتها أن تتهم كل من عارضه بتهم تبدأ بـ”السذاجة والطيبة – الهبل” الى درجة “التخوين والتآمر”، ومن يتابع تصريحات وأقوال وردود فعل الرئاسة ومحيطها، سيلاحظ بأنها لم تعد تضع محرما سياسيا في لغتها ضد المعارضين، والذين يتسعون يوما بعد آخر، وكأن حقها دون غيرها في كيل التهم بلا حساب أو تدقيق..ولا تفكر فيما سيقود ذلك النهج والسلوك!
سلوك الرئاسة السياسي ورد الفعل وتخوين أو تسخيف او “استهبال الآخر”، هي نموذج لن يقود لتكريس “ثقافة الاختلاف”، ومن يظن أن التهم هي “حق” لطرف دون آخر، سيكون ساذجا بكل ما للكلمة من معنى، فمن يتهم الآخر عليه أن يدرك أنه بات في وضع هش جدا لتلقي كل أشكال التهم..
المناصب العامة يجب أن تصان من قبل شاغليها، وان لا يتم اقحام المنصب العام في المشهد الذاتي، كي لا يتم الخلط بين الشخص والمنصب، عند أي حالة اعتراض قد يتم التجاوز بها أحيانا، وهو تجاوز مرفوض ولا يجب تبريره، ولو كانت الرئاسة الفلسطينية عممت رفضها وادانتها للتطاول الشخصي على د.الهباش، على كل سلوك ضار، بما فيها بعض خطابات الرئيس عباس، لما وصلنا الى ما حدث في المدينة المقدسة ضد “القاضي – المستشار” محمود البهاش..
وهنا، نسأل ما هي الحكمة الكبرى التي يمكن أن تجبر الرئيس محمود عباس لتعيين د.الهباش قاضيا للقضاء الشرعيين ومستشارا خاصا له، الا يكفي أحد المنصبين كي يتم التفرغ للمهمة بشكل أفضل..وهل سبق لفلسطين ان شهدت مثل هذا الخلط في المناصب..لماذا يصر البعض على خلق حالة توتر بلا سبب سياسي معقول..هل من المصلحة الوطنية والشفافية السياسية مثل هذا الخلط..سؤال لرئيس هيئة الرقاية ورئيس هيئة مكافحة الفساد، عله يجد ردا توضيحيا يعلنه لشعب يغضب احيانا من سلوك دون ان يدرك أن يقوده الغضب..
ادانة التطاول مهما كان شكله ومظهره وأداته وفاعله واجب، ورفضه ضرورة..ذلك ما يجب أن يدركه ايضا، “أولى الأمر” قبل رعيتهم..ودونه يحدث ما حدث وأكثر..لا تمييز ولا مقامات في “التطاول”.. من هنا يجب أن تبدأ الادانة والاستنكار!
ملاحظة: حديث القيادي الحمساوي موسى ابو مرزوق عن رفض البنك العربي قبول “المنحة القطرية” يستوجب توضيحا من السيد صبيح المصري رئيس مجلس ادارة البنك، وايضا من سلطة النقد ورئيسها جهاد الوزير..المسألة ليست “خبرا للعلم وفقط”!
تنويه خاص: أول رمضان بعد اتفاق الشاطئ..خطف غزة انتهى ولكن الخوف منه لا زال حاضرا من “الشرعية” التي ترفض أن تذهب لكي تقبره، وكأنها لا ترغب ..ربما تبحث “تحنيطه” بدل دفنه!


