كتب حسن عصفور/ ربما لم يرق للكثيرين أن يقول الرئيس محمود عباس، أنه لا يمانع الذهاب الى قطاع غزة، جملة ليست في سياق مسؤولية الرئيس عن جناحي “بقايا الوطن”، وحديثه عن “وفد موحد” و”حكومة موحدة” لا يتناسب وتلك العبارة، التي لن تريح مطلقا أهل القطاع، الذين كانوا يودون سماع القول الحسم: أنني سأذهب الى قطاع غزة كوني رئيسا ومسؤولا وراعيا، وقبل ذلك كوني مواطنا “غزيا” بيتي الأول في فلسطين كان به ولا زال، رغم أنه تحول الى سجن منذ خطف القطاع عام 2007، ولذا فالشوق لغزة يحمل بين طياته مسؤولية الرئيس وحب المواطن للعودة لمنزله الخاص – العائلي، بكل تفاصيل ذكرياته، بناءا وحياة..
ولتكن تلك عبارة خارج السياق، فحديث الرئيس عباس لمحطة تلفزية مصرية خاصة، حمل ما يستحق الوقفة أمامه، ولكن الأهم هو ما ذكره بخصوص أنه سيعلن الاسبوع المقبل عن “مفاجأة مدوية”، ليست حربية ولا عسكرية بالتأكيد، بل هي سياسية كما قال الرئيس عباس، وسيعرضها على الوزير الأميركي جون كيري..
بداية من الأكرم سياسيا، لشعب فلسطين ولشهداء الثورة، ومن أجل “عيون أهل القطاع” شهداءا وأحياء، ان تكون “مفاجأة الرئيس” أمام هيئة وطنية فلسطينية، بمشاركة “الكل الفلسطيني” دون استثناء، وبالتحديد بمشاركة حركتي حماس والجهاد، وليس لوزير خارجية أمريكا راعية العدوان المباشر وغير المباشر على الشعب الفلسطيني، وتحديدا في الحرب العدوانية على قطاع غزة، فمثل هذه المفاجأة لا يليق أن تعلن الا من خلال منبر وطني أو دولي، أو اقليمي، مثلا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث كانت منصة الخطاب التاريخي للحاضر التاريخي ياسر عرفات، أو في اجتماع خاص يطلبه الرئيس عباس لوزراء الخارجية العرب، لأن القادة منهكين كل ما به وله وعليه، ويعلن أمام المستوى الوزاري العربي تلك المبادرة – المفاجأة..
المسألة ليست شكلا، بل هي مضمون حقيقي إذ أن “المفاجأة السياسية” التي نتمنى أن تكون صاعقة على اعداء الشعب رافعة من عزيمة الشعب، لا يجب أن تمرر من خلال لقاء مع وزير أي كان هذا الوزير، فما بالك أن يكون وزير اكثر دول العالم كراهية لفلسطين، واكبر داعمي قوة الاحتلال، هي امريكا شريكة شراكة فعلية في تحطيم جوهر اتفاقات منظمة التحرير مع دولة الكيان،..لسنا في مجال تعداد مدى حقارة هذه الدولة، لكننا بالمطلق سنشعر بعار سياسي أن تمنح شرف اعلان تلك المفاجأة إن كانت لصالح الشعب..أما غير ذلك لتعلن من اي مكان، فعندها تستوي الأماكن..
ولأن حديث الرئيس عباس، عن المفاجأة حمل بعض التشويق، فلما لا نجلس ونساهم مع الرئيس في صناعة تلك “المفاجأة”، خاصة وأنه لم يطلع عليها بعد اي جهة لا محلية ولا عربية ولا دولية، وما عرضه في لقاء القيادة كان ذات القول : لدي مفاجأة سأعلنها في الوقت المناسب، ويبدو أنه قد حدد المناسب، طبعا لا يمكن اعتبار ما يشاع عن “خطة اليوم التالي” بأنها المفاجأة، لأننا بالأصل لا زلنا نبحث عن “اليوم الأول”..
هل يمكن أن تكون تلك “المفاجأة” المدوية، اعلان الرئيس محمود عباس “دولة فلسطين” بديلا للسلطة القائمة، استنادا لقرار الأمم المتحدة 19/67 بتاريخ 29 نوفمبر 2012، ثم اعلانها دولة الاحتلال، بما يتطلب تقديم طلب الى مجلس الأمن والجمعية العامة لتحريرها من استعمار جاثم فوق ارضها منذ العام 1967، ويبدا التحضير العملي لاستخدام الفصل السابع في تحقيق ذلك..هذه واحدة مما يمكن ان تكون عناصر “المفاجأة” مثلا..
ومنها يعلن الرئيس عباس انهاء كل الأحكام الانتقالية في الاتفاقات مع دولة الكيان، بما يشمل التنسيق الأمني والمدني، ووقف التعامل الكلي معها والطلب من الامم المتحدة، ان تتولى مسؤولية “التنسيق المدني” والشؤون الخاصة لمواطني دولة فلسطين المحتلة الى حين انهاء اجراءات طرد الاحتلال..
ومعها يعلن الرئيس الطلب رسميا من دولة الكيان اعلان اعترافها بدولة فلسطين، تأسيسا على رسالة “الاعتراف المتبادل” بين منظمة التحرير بصفتها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وقرار قيام دولة فلسطين في الأمم المتحدة، واذا لم تستجب دولة الكيان يعلن سحب اعترافه بها، وتعود دولة الكيان بلا اعتراف من ممثل شعب فلسطين، ما يسقط عنها كثيرا مما تظن سياسيا ودبلوماسيا، عربيا ودوليا..
وباعلان سحب “الاعتراف من دولة الكيان”، يستطيع الرئيس أن ينتقل الى قطاع غزة لقيادة المعركة السياسية لاستكمال تحرير اراضي “دولة فلسطين”، ويعيد تشكيل مؤسسات الدولة حكومة وبرلمانا وهيئات، مع وضع الية تنسيق خاصة بين مؤسسات منظمة التحرير ومؤسسات “دولة فلسطين”..
والى حين استكمال عملية تحرير اراضي دولة فلسطين يكمل عضوية الدولة في كل المؤسسات الدولية التي يحق الانضمام لها، مرة واحدة، وليس بالتقسيط حسابا لهذا أو ذاك، وبالتأكيد ينتظر كل أهل فلسطين التوقيع على معاهدة روما لفتح الطريق أمام ملاحقة دولة الكيان لجرائمها، حتى لو حاول البعض التلاعب بتأخيرها تحت مسميات عدة، لكن شعب فلسطين سيعتبره عرسا وطنيا، مهما كان الثمن..ولا نظن أن شعب يقاتل ويدفع ثمن نضاله الوطني، كما لا يدفع شعب غيره، سيتوقف أمام حملة “ارهاب” صغيرة..
وعلى طريق تحقيق ذلك، يتم تشكيل لجنة عربية مصغرة، من الدول ذات الصلة بالمسألة مباشرة، لمتابعة كل ترتيبات فلسطينية مقبلة، وليترك الرئيس عباس ما يروجه البعض البحث عن “مؤتمر دولي” لن يقدم ولن يؤخر شيئا بعد قرار الأمم المتحدة، فهي وليس غيرها يجب أن تكون قوة تنفيذ ذلك القرار..
هناك تفاصيل وعناصر بلا نهاية لتلك المفاجأة، لكن جوهرها ينطلق من هذه المكونات، ولا نظن اعادة الاعمار مفاجأة، أو فتح معابر قطاع غزة مفاجأة، أو اي ما يتعلق بحق معلوم يمكن اعتباره “مفاجأة”..فدون تلك العناصر تبقى غيرها “لا مفاجأة”..فهل يفعلها الرئيس لنرفع له القبعة!
ملاحظة: على قيادة حماس أن تتعلم سريعا من مشهد “الاعدامات الجماعي” غير القانوني..القضية ليست استرعاض فحسب، ولا ترهيب فحسب، فالأمن يفوق ذلك كثيرا..ولكن كيف ومتى علموا بكل هؤلاء العملاء في خلال 24 ساعة!
تنويه خاص: تدمير برج “الظافر 4” اثار حزنا خاصا لأصدقاء “أمديين” فقدوا ذكرياتهم..الوطن دوما يستحق ثمنا..لا عزاء للأصدقاء في تضحية نحو الخلاص من المحتل والظلام!


