كتب حسن عصفور/ لعل الجملة “الذهبية” في لغة المواطن الفلسطيني وحديثة اليومي هو لماذا تتلكأ القيادة الرسمية في التعامل الجاد بالتوقيع على معاهدة روما لفتح الباب أمام دولة فلسطين للذهاب للمحكمة الجنائية الدولية، حيث المكان الأهم الذي يعتقد أنه سيكون بابا لرد الاعتبار للفلسطيني، من دولة باتت سمتها الاكثر انتشارا أنها دولة اجرام حرب منظم ومتكرر، وأصبح الاجرام ضد الانسانية سمة ملازمة لها، ولذا وصفت بأنها الدولة ألأكثر سقوطا أخلاقيا عالميا نتيجة ما ارتكبت من أفعال وجرائم في فلسطين، ارضا وشعبا وهوية..
ولقد كشفت حروبها الأخيرة على قطاع غزة، ذلك الوجه الذي كان يجب أن يحرك كل المياه السياسية الفلسطينية الرسمية الراكدة، كي لا تذهب جرائم دولة الكيان، كما سبق، لأسباب “غير معلومة”، والبعض يراها” معلومة جدا، ولسنا في معرض فتح باب الاتهام لأحد، لكننا في معرض فتح “التقصير والاهمال والتغافل” عن استخدام الحق الشرعي – القانوني”، في معركة أصبحت “فرضا وطنيا” على القيادة الفلسطينية، بشكلها الراهن، مضافا لها ما بات يعرف “الاطار القيادي الموحد والمؤقت”، ولكل من يتخاذل عن قيادة الفعل السياسي لاجبار الممثل الشرعي والوحيد لاكمال الإجراءات للوصول الى “الجنائية الدولية” يصبح شريكا في التقصير والاهمال، راهنا، وينتقل الى زاوية الاتهام ثانيا..
ولعل البعض في القيادة الرسمية، بدأ يدرك أن عواقب “التقصير والاهمال” عن استكمال ذلك الملف، وفي الخلفية ما حدث بعد اغفال متابعة “تقرير غولدستون” الشهير بعد حرب الكيان ضد غزة اواخر 2008 زبداية 2009، فكثرت تصريحاتهم تحت عنوان عجيب يمكن وصفه بأنه “اختراع” خاص، بات يعرف بنظرية “سوف” و”سـ”، و”نفكر” وندرس” اعتقادا أن تلك “المسكنات اللغوية” كافية لتمرير “التقصير – الهروب” من الفرض الوطني، وتركه مجددا لحالة النسيان، خاصة وأن ما بعد الحرب العدوانية الأخيرة من آثار تدميرية فاقت كل حروب العدوان السابقة على القطاع منذ عام 1948وحتى تاريخه..
واشهر التصريحات التي أثارت الاستهجان الوطني، هي تلك التي أطلقها عضو “القيادتين” الرسمية والفتحاوية” د.صائب عريقات، في تلفزيون فلسطين قبل أيام، وهي مسجلة صوتا وصورة، عندما فتح باب الحديث لتبرير عدم التحرك نحو الجنائية الدولية، بأن ذلك له عواقب ولذا لا بد من أن توافق عليه الفصائل فصيلا فصيلا وتقوم بالتوقيع على وثيقة خاصة بذلك، وكشف عريقات أنه شخصيا حمل “وثيقة البراءة والتبرئة” التي أعدتها جهة فلسطينية “مجهولة” الى خالد مشعل عندما سافر الى الدوحة في زيارة لم يعلن عن مضمونها حتى تاريخه، وقال عريقات، أنهم ينتظرون توقيع حماس على تلك الوثيقة، واضاف أنه لـ”الحقيقة” لم يتم ارسالها الى الجهاد الاسلامي، لكن عزام الاحمد حملها معه الى القاهرة لكي يعرضها على الجهاد للتوقيع..
وقبل أن نناقش أن ذلك يمثل اتهاما سياسيا مباشرا للقيادة الفلسطينية، أنها لم تعد تتصرف كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، بل تصرفت كـ”منسق تنفيذي” بين الفصائل في قضية وطنية سياسية بامتياز، ليس من حق فصيل أو جهة أن تعترض عليها، والا هل يكشف لنا السيد عريقات أن القيادة الرسمية وقعت كل الفصائل على القرارات المصيرية، وهل كل تلك القرارات التي كانت بالاجماع، بما فيها قرار العودة للمفاوضات بعد ضرب مطالب الاجماع الوطنية تم الالتزام بها..الأسئلة لا حصر لها في تلك هل وهل وهل يا “ذاكرة المفاوضات”!
ولكن السؤال الذي لم نجد له جوابا، كيف صمتت قيادة حماس ورئيس مكتبها السياسي خالد مشعل، وبعد أيام من ادعاء عريقات عليهم، وهل حقا أنها لا زلت تفكر توقع أو لا توقع، وإن كان ذلك حقيقة، هل يمكن لها ان تقف الى جانب فريق عدم الذهاب الى المحكمة الجنائية خوفا من المساءلة التي قد تطالها، وهل لدى بعض قيادة حماس شكوك بأنها فعلت ما يستحق التردد والخوف، مع الادراك الكامل أن ذلك يمثل مكافأة خالصة لدولة الارهاب الأولى في العالم، وإن لم يكن الادعاء صحيحا فلما غفلت التوضيح، خاصة وأن مشعل لا يترك ساعة دون ادلاء بحديث أو تصريح، الا إن كانت معركته المركزية في تلك الفترة كيف يقوم بزرع الفتنة بين شعب فلسطين ومصر لحساب جهات باتت كلها معلومة..
ولحسن الحظ، فأحد قيادات الجهاد قال أن لا جهة عرضت عليهم شيئا، مما قاله عريقات ولم يعرفوا بذلك الا من حديث التلفزيون..وحتى لو علموا فهم يستغربون ذلك..اذهبوا فورا الى المحكمة مهما كانت المخاوف غير المشروعة!
وبعديا عن وقع من وقع أو لم يوقع من يخاف، فالمسألة تلك ليس حقا للفصائل بمجموعها، بل هي حق اصيل للشعب الفلسطيني الذي انتخب قيادة رسمية تمثله، ولم يمنح الفصائل منفردة أو مجتمعة بأي اطار تسمى به، ذلك “التفويض” بالتحدث باسمها، والا لإنتهى دور منظمة التحرير ودولة فلسطين، التي هي اليوم عضوا في الأمم المتحدة، كما أن الجرائم المرتكبة من قبل دولة الكيان، تستبق انشاء كل الفصائل الراهنة، وهي مرتبطة ارتباطا وثيقا بقيام دولة الكيان فوق ارض فلسطين منذ عام 1948، ولا زلت اسماء تلك الجرائم حية لامعة في ذهن الفلسطيني، ولو سألت “القيادة المرتعشة” خوفا من المضي قدما نحو الجنائية الدولية، أي فلسطيني عن مجازر اسرائيل سيعيدها دون تفكير..
لعبة توقيع الفصائل تشكل اهانة سياسية للدم الفلسطيني والحق في متابعة من قام بارتكاب جرائم تفوق كل جرائم دول تم محاسبتها..كفى تلاعبا، وإن كانت الشجاعة غائبة لاتخاذ قرار التوقيع والذهاب فيعلنوا ذلك صراحة، وللشعب حق القبول او الرفض لما يقولون..وله وحده حق المحاسبة والمساءلة..
ورغم كل ذلك لا يجب أن تترك العائلات الفلسطينية حقها الفردي في ملاحقة مجرمي الحرب، وهنا نكرر التساؤل ما هو مصير اقتراح النائب محمد دحلان، في مساعدة تلك العائلات في حقها القانوني، هل بدأت الفعل أم أم هناك “عوائق” تعيق الاقتراح..
للقيادة الرسمية توقفوا أو اوقفوا حركة “البهلوانية السياسية” التي تحدث عنها البعض، لأنها تمثل اهانة لا بعدها اهانة للدم المسال فوق تراب الوطن منذ فجر الصراع مع العدو الاسرائيلي، كيانا وسياسة..
وننتظر من حماس والجهاد وبقية الفصائل ردا على حركة “الاختباء” خلفها، أو انها باتت شريكة في لعبة الهروب تلك!
ملاحظة: الساعات الأولى لوقف اطلاق النار كشفت أن حجم “المأساة الانسانية” في القطاع يفوق الصور الجزئية لوسائل الاعلام..ليت البعض المتشدق كلاما أن يدرك حقا الحدث كما هو!
تنويه خاص: الحرب العدوانية لن تمر دون حساب لبعض الساسة..للحرب ما بعدها الكثير..والشعب لن ينسى كل من تاجر به وبدمه لحساب غير حساب الوطن..ولو كان عند هؤلاء ذرة حياء ليتركوا ما هم به قبل أن يكون الترك بأدوات أخرى!


