كتب حسن عصفور/ حمل خطاب الرئيس محمود عباس في المجلس المركزي الفلسطيني بعضا من الجديد فيما يخص الولايات المتحدة ، موقف يحمل مرارة غير مسبوقة من الإدارة الأمريكية الراهنة ، لم يتحدث بمثلها سابقا ، حتى في ظل إدارة بوش ، تنم عن تراجع سياسي كبير عن ما تم إعلانه سابقا أو بدايات صعود نجومية الرئيس الشاب الباحث عن ‘ التغيير’ وأنه ‘ يستطيع ‘ أن يفعل ما لم يفعله غيره ، لحل قضية الصراع العربي الإسرائيلي بما فيه ‘المسألة الفلسطينية’.
وأعلن سريعا عن تكليف ميتشيل كمبعوث له مستبعدا إي من الفريق ‘ اليهودي ‘ السابق ، مزودا إياه بإرشادات واضحة بضرورة وقف النشاط الاستيطاني وقفا تاما ، ورفض أي محاولة إسرائيلية لـ’ تهويد القدس الشرقية’ ، وتحدث لاحقا بمسحة حزن ‘ صوتية’ عن معاناة الشعب الفلسطيني التي يجب أن تنتهي ، تحدث بلغة ‘ جديدة’ بها بعض أمل انتظره الفلسطيني ، حتى خطابه ‘التاريخي’، كما وصف في حينه، في جامعة القاهرة وما احتوى من عبارات مضيئة أخفت ما ورد به من توجهات تنحرف فعليا بعملية السلام من مسار إلى آخر ، خاصة بتمريره الطلب بإعادة النظر في مبادرة السلام العربية باعتبارها منطلقا للحل وليس أساسا له ، كما وضع تصورا أقرب للمفهوم الإسرائيلي في تناوله لموضع القدس ، تحدث عن ما للعرب للعرب وما لليهود لليهود أما البلدة القديمة فسيكون لها وضع خاص ، دون أن يتوقف عند ذلك التوسع غير المسبوق الاستيطاني في القدس على حساب ما ‘ للعرب ‘ الذي كان فترة كلينتون الذي وضع هذا المبدأ في العام 2000.
ورغم هذا فالترحاب بالخطاب كان عاما من عباس إلى حماس ، كل أكد إيجابيته ، أملا برؤية تنفيذ تلك المفاهيم والمواقف ، ولا شك أن الإدارة الأمريكية حاولت أن تقوم بعمل لوقف الاستيطان وشكلت ضغطا داخليا على بيبي نتنياهو ، وصل إلى أن يتحدث الإعلام الإسرائيلي وبعض القوى السياسية عن خطر سلوك نتنياهو لمعارضة واشنطن ، واعتبروها سياسة اصطدام هي الاولى منذ زمن بعيد مع امريكا ما يهدد مصالح إسرائيل الاستراتيجية ، وانتظر الفلسطيني نتائج تلك ‘ المناوشات’ التي بدا فيها نتنياهو مضطربا جدا ، استنجد خلالها بمناورات شمعون بيريز ليرسله متحدثا في الشأن السياسي العام ( رغم أن منصبه لا يمنحه ) وقبل فترة وجيزة من سفر نتنياهو ، ثم أرسل براك لينسج خدعة جديدة حول ‘ صفقة التجميد’ الاستيطاني ‘ ، فترة شهدت مناوشات ساخنة جدا بين الطرفين ، واستنهض ‘اللوبي اليهودي’ قواه مستغلا الوضع الداخلي وخاصة سعي الرئيس أوباما لإقرار مشروع ‘النظام الصحي’ الذي يشكل مطلبا استراتيجيا للإدارة الحالية ، وتشكل تحالف ‘ غريب’ من أصحاب المصالح الكبار لتعطيل إقرار المشروع فاستغله ‘ اللوبي اليهودي’ لفرملة الاندفاعة الأوبامية نحو فرض وقف النشاط الاستيطاني وتهويد القدس.
وبدا التراجع الأمريكي خطوة خطوة ، مع إعلان أمريكا رغبتها بعقد لقاء ثلاثي في واشنطن عشية افتتاح الدورة السنوية للجمعية العامة ، وكان الموقف الرسمي الفلسطيني أن لا لقاء مع نتنياهو قبل وقف الاستيطان والالتزام بما سبق الاتفاق عليه ، ومارست واشنطن ضغطا مكثفا جدا لجأت فيه إلى الاستعانة بـ’ أصدقاء’ مشتركين ، إلى أن تمكنت من فرض ‘ اللقاء الثلاثي’ ما شكل ضربة سياسية إلى الرئيس عباس ، والذي تمتع بتفوق سياسي كبير على موقف حماس التي كانت تسعى من الباطن لنسج علاقة مع أمريكا تكرس محميتها الخاصة مع إمكانية قبولها بفكرة ‘ الدولة المؤقتة’ حسب صفقة ‘ جنيف 2’ وخطاب هنية إلى أمين عام الأمم المتحدة ، ورافق الموقف الأمريكي تراجعا واضحا من مسألة الاستيطان حيث لم يعد هو الموقف الواضح بل إن واشنطن سعت إلى البحث عن ‘ تجميد’ مؤقت له لفتح مجال استئناف التفاوض الثنائي.
واشنطن الآن تبحث عن لعبة سياسية جديدة لجر الطرف الفلسطيني إلى استئناف المفاوضات دون الاهتمام بالموقف الفلسطيني ، وتقود وزيرة الخارجية كلينتون هذا التوجه ، ويبدو أن ‘ رحلات عريقات’ إلى واشنطن تحمل بعضا من أفكار أصابت الرئيس الفلسطيني بصدمة عكست ذاتها على خطابه المتسم بمرارة غير مسبوقة ، ضاعت وسط ‘ معركة المرسوم’ .. خطاب عباس الأخير يجب مطالعته بعيدا عن المرسوم استعدادا لما هو قادم مع أمريكا..
ملاحظة: مشعل يقول إنهم سيردون على محاولة إجراء الانتخابات بكل الطرق ، منعا في القطاع وأخرى في الضفة .. يا ترى هل هي عمليات’ جهادية ‘ ضد غسرائيل ، أم ‘ صفقة جنيفية ‘ جديدة معها… ننتظر مشعلها..
التاريخ : 26/10/2009


