كتب حسن عصفور/ منذ أن اسقط الشعب المصري حكم الجماعة الاخوانية في مصر، ولاحقا في المنطقة بكاملها، والانظار تتجه الى دور مصر المقبل، ليس فيما يعرف بـ”الشأن المصري”، بل لما سيكون لها من دور غاب سنوات طويلة في المنطقة والمحيط الاقليمي، ما فرض الاهتمام بثورة مصر الثانية والخلاص من “العهد الظلامي” الذي أريد لها أن يكون، وقطع الطريق على مشروع تقسيم المنطقة الاستعماري الجديد، من خلال اداة لا مصلحة قومية لها سوى تنفيذ ما تراه مصلحة الجماعة، وعبر اي طريق وسند..
وليس غريبا أن يكون الاهتمام بثورة مصر يفوق جدا الاهتمام بأي حركة تغيير عربية، بل أن ذلك الاهتمام والمتابعة شهد ما قد يكون لونا من الوان “الغرابة” السياسية” في المنطقة، حيث توافق ذلك الاهتمام والتأييد من نظم يمكن وصفها بالمحافظة جدا، بل واليمينية السياسية، الى قوى ثورية جدا، يسارية فكرا وسياسة، قوى وانظمة اجتمعوا على الوقوف خلف مصر الثورة وقائدها عبدالفتاح السيسي..
ولم يكن ذلك الاصطفاف السياسي والفكري المتناقض في مظاهره العامة، سوى انعكاس لادراك “الخطر الحقيقي” الذي كان يتربص بالمنطقة ومصيرها، هوية وجغرافيا، ولولا 30 يونيو المصرية لدخلت المنطقة من المحيط الى الخليج في نفق شديد الظلامية السياسية والفكرية، ولفرضت أميركا وأدواتها “الاسلاموية” الاخوانية و”العثمانية الجديدة” نموذجا من التقسيم السياسي – الجغرافي لكل الدول العربية، وترسيمها كـ”أقاليم” تابعة تعين لهم الولاة والحكام وفقا للمصلحة وحدود الطاعة..
ولأن فشل المخطط التقسيمي لا ينتهي عند كسر أولى حلقاته، بل للعمل السريع لاكمال مطاردة كل تلك الحلقات، فذلك يتطلب اعادة صياغة دور مصر الاقليمي، بعدما غاب سنوات طويلة، منذ دخول الرئيس الراحل انور السادات في مرحلة “الانطواء الخاص” ثم الذهاب الى اسرائيل وتوقيع اتفاقية منفردة للسلام معها، فاختار “السلام مع اسرائيل، على حساب “العلاقة العربية”، فبدأت عزلة مصر ودخولها في حالة من “التشرنق السياسي”..
ولم تخرج من تلك المرحلة رغم اعادة “تطبيع” العلاقات بعد اغتيال السادات، ولم تعد لدورها الطليعي في قيادة المنطقة أو لدورها الاقليمي الذي كان خلال مرحلة الخالد جمال عبد الناصر، ما سمح لبروز 3 قوى اقليمية جميعها “غير عربية”، ايران، تركيا ودولة الكيان، وهي التي كانت تتطلع لعب دور “الحاكم العام” في المنطقة وفقا لمحاصصة سياسية كانت واشنطن تعدها بعد النجاح في تنفيذ مخططها التقسيمي الجديد، والذي بدأ باحتلال العراق وتقاسم “النفوذ” مع ايران فيه، واستغلت امريكا طبيعة النظام القائم في حينه لتقود باكبر عملية تزوير في ارادة شعب وتفرض بديلا للنظام “القمعي” نظاما طائفيا بامتياز كان لها ولايران الكلمة الفصل فيه..
ومن نموذج العراق حاولت واشنطن أن تفرض نظما طائفية بصيغ مختلفة، تحت مسمى اشراك “الاسلامويين” في الحكم، باعتبارهم قوة فاعلة، في أكثر من بلد عربي، كانت مصر وفلسطين نموذجه المباشر، ورضخ مبارك للطلب الأميركي ومنح الجماعة الاخوانية، والتي كانت تعيش عصرا اقتصاديا ذهبيا في مصر منذ فتح لها السادات باب العودة في صفقة سياسية لم تعد مجهولة، منحها حصة برلمانية كبيرة، الى أن تمكن من الاطاحة بهم لاحقا، ولكن واشنطن كانت تعد مخطط محدثا..
فيما “اذعن” الرئيس محمود عباس للطلب الأميركي واجرى انتخابات لم تكن ملائمة توقيتا للقوى الفلسطينية ، خاصة فتح، وكان يعلم يقينا أن الهدف منها هو اشراك الجماعة الاخوانية في فلسطين، والمعروفة باسم “حماس” في الحكم والحكومة، وكان لهم ما أرادوا، وتطورت الأحداث الى الخطوة الأهم من المشاركة الى الانقسام الوطني – السياسي، كا مقدمة لما سيكون في المنطقة تقسيما وتقاسما..
المشهد العربي العام تحرك سريعا، وحضرت كل من ايران وتركيا ودولة الكيان كل بطريقته في مشهد الحراك الذي اعتقدت واشنطن، انه فرصه لتحقيق مخططها العام، والذي طبخته منذ عام 1982، بدأت بمحاولة قطف رأس الثورة الفلسطينية في لبنان، بعملية غزو عسكرية اسرائيلية واحتلال أول عاصمة عربية، في ظل صمت عربي شامل، وبدأت غزوا مباشرا في ليبيا، وأوصلت الجماعة الاخوانية لحكم مصر وتونس، وحاولت سريعا التحرك نحو سوريا..
وبدأت المنطقة وكأنها في لحظة السقوط وفقدان الهوية، حتى كانت ساعة الصفر المصرية لانقاذ الأمة والمنطقة من أخطر مشروع استعماري في العصر الحديث..الا أن المشروع لا زال له جيوب واذناب، ولذا ما لم تتحرك مصر نحو استعادة دورها الاقليمي وفقا لتعاون وتكامل سياسي رسمي وشعبي عربي، لن يتم الحديث عن اسقاط المشروع الاستعماري بكامله وازالة اخطاره، ومصر دون غيرها التي تستطيع القيام برأس الحربة لاسقاط مشروع هو الأخطر على كل ما هو عربي هوية وقضية ووحدة جغرافية..
ذلك الدور المرتقب يبدأ من صياغة سياسية جديدة للتحالف المطلوب، خاصة وان غالبية النظم الرسمية أدركت، وبعد أن تم دفع ثمن باهض، انها بلا مصر ليس سوى صغائر لا يمكن لها البقاء “دولا وكيانات بملامح وهوية”، وهو ما أدركته يقينا بعد ايصال الجماعة الاخوانية للحكم في مصر..وبعضها عاد مبكرا لرشده وانحاز فورا لثورة مصر..
مطلوب من مصر لحماية ثورتها، أن تعيد عمقها العربي ودورها الاقليمي، وخاصة في الملفات الشائكة..فلسطين، سوريا وليبيا، كما مطلوب من النظم الرسمية التي أدركت أنها كانت على مقصلة التقسيم أن تعي جيدا أن من “ليس له كبير من أهله ليشتري له كبير”، كما قال مثلنا الشعبي..ولذا عليها أن تعمل بكل امكانياتها لتدعيم مصر سياسيا واقتصاديا لتعود لها مكانتها، فهي وليس غيرها الضامن للأمن العربي والاقليمي بكل ابعاده..
مصر مقبلة، ومطلوب زيادة وتيرة سرعة العودة كي لا تنجح قوة الردة من استغلال التردد أو البطئ..!
ملاحظة: يقر جون كيري بحق شعب فلسطين في دولة..لكنه يعود لـ”الغنج السياسي” لربطه بأمن دولة الكيان..يا سيد كوكو هل لك وضع كل شروط الأمن وكيف لك توفيره مقابل دولة فلسطين..اذا عرفتها ووافق بيبي لك جائزة!
تنويه خاص: حادث سيارة في القدس نتج عنه استشهاد شاب ومقتل طفلة كان موضع اهتمام العالم ما فاق كل بيانات وصراخ مسؤولي السلطة وقواها..لعل في ذلك جرس تنويه لهم ..بأمل الا يكونوا بكم وصم!


