كتب حسن عصفور/ ما أن أعلنت الخارجية المصرية بيانها لوقف اطلاق النار، واحداث “تحسينات” على “آلية” حصار قطاع غزة، حتى ذهبت الأطراف المفترض انها ذات صلة بـ”الشأن الفلسطيني” للبحث عن ما يمكنهم استغلاله نتيجة “النكبة والبطولة” في قطاع غزة، وكأن المسألة الجوهرية توقفت عند حدود بيان مصر بوقف الحرب العدوانية، وكفى!
وقبل الغرق فيما يمكن أن يقوله بعض العاجزين، بأن مهمة “الوفد الفلسطيني الموحد” لم تكن سوى مهمة تفاوضية، نود التأكيد أن المسألة هنا لا تتصل بشخوص أعضاء الوفد، بل بما يمثلون، وثانيا، المهمة نظريا لم تنته بعد، فوفقا للبيان المصري، هناك لقاء تفاوضي جديد بعد شهر من تاريخ الاعلان لبحث القضايا العالقة، وهي الأكثر تعقيدا، مما تم الاعلان عنه، حاولت الأطراف الفلسطينية الاختباء بالاحتفالات بدلا من بحث المسؤولية الكبرى لها بعد البيان..
ومنذ يوم الاعلان بوقف الحرب، لم نلمس جهة فلسطينية، تعلن متابعتها لما سيكون من تنفيذ لنص البيان ومضمونه، الا إذا كان الاتفاق بين أعضاء ومكونات الوفد ان ذلك ليست اختصاصا لأي طرف فلسطيني، وانه شأن بين الدولة الراعية للبيان والمفاوضات، والطرفين الفلسطيني والاسرائيلي، استمرارا لدورها في المفاوضات “غير المباشرة”، ولو صح هذا الفهم عند اي مكون فلسطيني يكون ساذجا لا أكثر، فمتابعة تنفيذ المعلن من البيان، لكل طرف دوره والبحث عما له، وليس ذلك من اختصاص الراعي، والذي هو إما مراقب أو ناقل أو محكم..
قبل ايام اتصل رئيس حركة حماس في قطاع غزة اسماعيل هنية، بجهاز المخابرات العامة المصرية، شاكرا لهم مسعاهم ودورهم، صوبت تجاهل مشعل مصر كلية، رغم البيان الذي صدر من حركتي الجهاد وحماس.. مكالمة هنية اشارت، فيما اشارت، الى مناشدة مصر أن تعمل على ضرورة ادخال مواد البناء الضروية لاعادة الاعمار في قطاع غزة، وذلك وفقا لما نشرته مواقع واعلام حركة حماس، دون أن نجد لها تأكيدا رسميا مصريا، ولكن ذلك لن يصيب “مصداقية” الاعلان، ما لم تنفه مصر..
مكاملة هنية والطلب من مصر العمل على ادخال مواد البناء والاعمار، تفتح سؤالا مباشرا، ما هي الصفة التي يحملها اسماعيل هنية لمخاطبة الجهات الرسمية المصرية بالقيام بذلك، هل بصفته طرفا في “الوفد الموحد” وبالتالي من حقه أن يكون طرفا في متابعة التنفيذ، وإن صح ذلك، فهل من حق كل طرف من مكونات “الوفد الموحد” القيام بذات المهمة، ما يعني أن “التمثيل السياسي” بدأ يتوزع بين “الفصائل” ونكون عدنا لمرحلة ما قبل انطلاق منظمة التحرير عام 1964 كممثل لشعب فلسطين..
أما ان كان لا زال هنية يتصرف بصفته الأخيرة التي حملها قبل اقالته منه، دولة الرئيس، فنحن أمام مصيبة سياسية، حيث أن المفترض نظريا ان هذه الصفة سقطت قانونا منذ الانقلاب عام 2007، ورسميا وبشكل متفق عليه في اتفاق الشاطئ في شهر ابريل – نيسان الماضي من هذا العام، ولا يحق له التباحث مع دولة شقيقة فيما يخص التمثيل العام، أما إن كان يعتقد أنه يتصرف كـ”حاكم عام” للقطاع الى حين وصول “الشرعية الرسمية” تحت شعار “ملئ الفراغ” الذي تتحدث عنه حماس، ردا على هجوم عباس لهم بتشكيل حكومة ظل، فنحن أمام أزمة سياسية لن تنتهي بوصول “الشرعية الفلسطنية”، إن وصلت أصلا، فكون هذه العقلية لا تزال سائدة فهي مؤشر ان أزمة الحكم الانقسامية عميقة جدا، وتحولت من مظهر سياسي الى منهج فكري وسلوكي عام..
المسألة ليست فتحا لجرح عميق، بل رسالة تنبيه للبعض “الغافل” عما هو الواجب المطلوب تجاه قطاع غزة، مسؤولية وواجب، تستحق الانتباه، بأن يتم تشكيل “لجنة متابعة” لما بعد البيان، تتولى مهمة ملاحقة تنفيذ المتفق عليه مما هو “محدود جدا” قياسا بما وعد به أهل القطاع وشعب فلسطين، بعد الثمن الكبير الذي تم دفعه في حرب عدوانية ألحق بقطاع غزة نكبتهم الثانية..كما يكون من مهامها التحضير الجاد والدقيق للمرحلة الثانية من مفاوضات القضايا العالقة، وهي تحتاج لترتيب أوراق أكثر دقة وتنظيما مما كان في الجولة الأولى..
بعد مضي ايام على وقف الحرب، تحضر روح الاحتفال بـ”النصر”، وتغيب عنه روح المسؤولية لمواجهة آثار العدوان، فـ”الاحتفالات الانتصارية” يمكنها الاستمرار الى ما لانهاية، لكنها لا يجب أن تكون على حساب المسؤولية الوطنية نحو من يتسحق الاحتفال فعلا، وهم أهل القطاع المنتظرين من جهات التمثيل عمل ما يتشدقون به لغة وخطابة، ولا زال أهل القطاع ينتظرون فعلا لقول!
سكان القطاع قد يصرخون قريبا جدا، لو استمرت هذه المهزلة من ادارة الظهر لهم والاختباء خلف “احتفالات النصر”..الصرخة الكبرى ضد “المتخاذلين” ستكون: “كفى فلن نصمت بعد اليوم”!
ملاحظة: الاستطلاع الذي منح فوزا ساحقا لهنية على الرئيس عباس طبيعي جدا بعد الحرب ودور كل منهما..لكن المفارقة التي لم ينتبه لها الفرحون من جماعة حماس، شعبية هنية في قطاع غزة المنخفضة كثيرا عنها في الضفة..لما وكيف ستكون بعد شهر من تاريخه!
تنويه خاص: بدأ سريعا رئيس الطغمة الفاشية الحاكمة في تل ابيب استغلال “صواريخ غزة” للهروب من اي اتفاق سياسي..الرسالة واضحة جدا..كفى هزلا بالبحث عما لن يكون!


