كتب حسن عصفور/ قد يبدو السؤال غريبا، أو خارج المشهد السياسي العام الذي يسيطر على فلسطين، وطنا ومقاومة وحركة سياسية، وقد يجده البعض سؤالا استفزازيا لمشاعر فصيل، عناصر وقيادة لتاريخ طويل من الارتباط بجماعة سياسية – فكرية حملت رداء “الاسلام السياسي” بطريقة خاصة جدا، وأن التطرق لذلك الارتباط قد يمس جانبا فكريا وعاطفيا لحركة أنجبتها جماعة الإخوان في فلسطين، بعد ما يقارب الـ23 عاما عاما من انطلاق الثورة الفلسطينية في الفاتح من يناير 1965، و24 عاما من تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، إذ انطلقت حماس في نهاية عام 1987، واعلنت بيانها التأسيسي في فبراير 1988..
لكن المعركة البطولية التي خاضتها قوى المقاومة ضد العدوان الاسرائيلي، ولا تزال، على قطاع غزة، تفرض وقبل البحث عن “المنجزات” التي يمكن تعدداها سريعا، أو استعراض الجديد في طبيعة المواجهة للعدو، وهي التي كانت ستكون علامة فارقة في مجرى الصراع، لو انها وجدت “حاضنة سياسية” تتوافق مع ذلك التغير الهام، في مشهد الفعل ورد الفعل العسكري، سجل “افتخارا وطنيا وشعبيا”، كان له تميزه في ملامح من الصورة المقاومة، واعادة للمشهد الثوري في سنوات سابقة لقوى الثورة الفلسطينية، والتي يحاول البعض طمسها بقصد معلوم جدا، ولهدف بات أكثر من معلوم، في لعبة سياسية كلها “مؤامرة” بدأت ملامحها قبل الحرب العدوانية وخلالها، وليس بعيدا ان الحرب العدوانية وقبلها “حكاية المستوطنين الثلاثة” جزءا من “سيناريو استبدالي”، تم صناعته في أحد القواعد الأميركية فوق ارض عربية، وبتناغم مع بعض أطراف فلسطينية..
أظهر البعد السياسي للمعركة القائمة، ان ارتباط حركة حماس، فكريا وعضويا بجماعة الإخوان المسلمين، شكل أحد ابرز العقبات امام الاستفادة القصوى من الحالة الثورية التي خلقتها معركة التصدي للعدوان، في فلسطين وخارجها، وقد انكشف أثر ذلك بشكل محدد بعد ان أطلقت مصر مبادرتها، والتي كان لها ان تكون “ربحا سياسيا صافيا” للشعب الفلسطيني أولا، ولقوى المقاومة ثانيا، خاصة وانها جاءت بعد ايام من العدوان على قطاع غزة، وقبل أن تبدأ الحرب البرية، فيما كانت قوى المقاومة حققت ردعا معنويا هائلا داخل دولة الكيان، ولو عدنا قليلا للوراء وقراءة اللحظة عشية اطلاق المبادرة واللحظة الراهنة، سنجد أن هناك ارتفاع في سجل الخسائر الفلسطينية من مشهد الربح السياسي الهائل الذي كان في الإسبوع الأول، بسبب مركزي لا غيره، هو رفض حركة “حماس” المبادرة المصرية، ليس تعبيرا عن موقف وطني حقيقي، لكنه جاءا التزاما بموقف “الجماعة الإخوانية” أولا، ومحور قطر وتركيا وأميركا ثانيا..
حماس، التي حاولت تلك الأطراف استخدامها وقعت في “كمين تاريخي” لن يمر مرورا عابرا على حضورها القادم، رغم كل ما حدث من بطولة عسكرية، ما لم تدرك وتعترف أنها ارتكبت “خطيئة سياسية تاريخية”، بتفضيلها الانتماء الأخواني في الموقف من مصر، والمعركة السياسية على الموقف الوطني الفلسطيني، فرفض المبادرة المصرية منها جاء فرضا عليها، وبلا أدنى مسؤولية، ودون نقاش حقيقي على امكانية “فك الاشكاليات” التي قد اعتقدت أنها تغيب عن المبادرة، في روح الإخوة والانتماء لفلسطين، لكن محور اميركا الجديد، اراد استغلال الدم الفلسطيني، في اتجاهين:
** الأول فتح معركة ضد مصر من خلال الحرب على قطاع غزة، واعتقدوا أنه كلما طالت الحرب توسعت رقعة “الخصومة والكراهية الشعبية الفلسطينية – العربية لمصر”، خاصة وأن القيادة المصرية وقعت في “أخطاء تكتيكية” ضارة، ساعدت أطراف ذلك المحور من استخدامها، خاصة مسألة التعامل مع معبر رفح وحركة المساعدات الانسانية..اخطاء تحدث وكان لها ان لا تكون، لولا احساس مصر أن بعض حماس بات جزءا من “مؤامرة عليها”، بسوء نية اخوانية، أم بسوء تقدير سياسي..لكن النتيجة واحدة في أن هدف المحور حصار مصر وتطويقها على أمل اسقاط ثورتها واعادة من لا لم يثبت انه أهلا لحكمها..
** الثاني، ان أمريكا قامت بمناورتها وخدعتها الكبرى، عندما طلبت من قطر وتركيا أن ترفض حماس المبادرة المصرية، لأنها كانت يقينا مدركة أن وقف العدوان قبل المعركة البرية سيكون ” نصرا سياسيا ومعنويا” للشعب الفلسطيني عامة، رغم ارتباك قيادته السياسية في حينه، ولقوى المقاومة، بما يخلق جوا عاما يسقط خيارها التي تريده بابقاء روح الانكسار السياسي سائدة، للسماح بتهويد ما يمكن تهويده، واشاعة الاستيطان قدر الممكن في الضفة، وفتح الباب لعدوان خاص على مقدسات القدس وخاصة الحرم القدسي الشريف، كونها تعلم جيدا أن الحرب البرية ضد قطاع غزة ستعيد خلق مشهد تدميري ليس لما في القطاع، ومجازر لم يسبق لها مثيلا، بل لتدمير روح الانتصار السياسي – المعنوي لاسبوع المقاوم الأول، مقابل خسارة سياسية ومعنوية كبرى لدولة الكيان..
تقدير قد لا يراه البعض الآن، بل وقد يختلف معه كثيرون ايضا، لكن القادم السياسي وبعد أن تضع الحرب العدوانية نهايتها، وتهدأ الروح الانسانية، ويعود الفكر للعمل ضمن حسابات الوطن، سندرك كم حجم الخسارة التي أنتجها ارتباط حماس بالجماعة الاخوانية ومحور اميركا القطري التركي، ومن الخلف تنظيم الجماعة الدولي، في أن العدو كانت مصر وليس غيرها، وحاولوا استخدام حماس أداة له، وقد حققوا بعضا من اهدافهم، لكنهم فشلوا في تحقيق مكسب سياسي استراتيجي، بل أن العاطفة الانفعالية ضد بعض ممارسات مصر الخاطئة، ستنكشف أنها كانت جزءا من خطة لاستغلاها لحصار مصر وما تمثل ضد المشروع الأميركي الكبير والعام للمنطقة..
حركة “حماس” امام لحظة فارقة في تاريخها ومسارها، الارتباط بالجماعة الإخوانية يعني انها جزء من تحالف معادي للثورة المصرية، وليس مختلفا معها، كما كان الحال خلال حكم مبارك، وإن اعتقدت ان أهل قطاع غزة خاصة، وشعب فلسطين عامة سيقبل منها ذلك تكون ارتكبت ما يمكن تسميته “الخطيئة القاتلة”..فمصر حالة ورحية مع فلسطين لا يمكن لأحد “خطفها” لفئة أو جماعة!
اما فك ارتباطها بتلك الجماعة، وتصويب موقفها من مصر الثورة والنظام، والكف عن أن تكون جزءا من “الثورة المضادة”، وتجنيد وسائل اعلامها كافة لخدمة تلك الحرب العدائية لمصر، فسينقلها نقلة تاريخية في مسارها، ويفتح لها الطريق واسعا أمام المشاركة الفاعلة في اطار الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وان تنهي والى الأبد مخاوف “البديل القائم” لمنظمة التحرير، باعتبار أن ذلك حلم اميركي – اسرائيلي للخلاص من المنظمة تاريخا وأهدافا ومشروعا عاما..ما يزيل كل “شكوك” قائمة في عقل الشعب الفلسطيني مهما تبدلت الأدوار والشعارات..فلا طريق سواه!
هي لحظة الإختيار التاريخي لحركة “حماس”..الى اين تذهب وما هو مستقبلها..ولا يوجد منطقة وسطى في هذه المسألة الفاصلة في مسار شعب فلسطين!
ملاحظة: ذكرى ميلاد الزعيم الخالد ياسر عرفات تعمق الشوق له أكثر..فقدانه هو الحدث العام في المشهد الراهن..وايام قبل الذكرى قالها القائد الفلسطيني د.رمضان شلح، في هذه المعركة البطولية نفتقد ياسر عرفات..أيها الخالد: شعبك لن يخذلك يوما مهما تآمر المتآمرون!
تنويه خاص: محاسبة دولة الكيان على جرائمها لا تقف على رغبة فصيل يا دوك عريقات..الجرائم ممتدة قبل أن نسمع عن كل الفصائل القائمة..فهل انتهت بالتقادم ولغياب “حضرة الفصائل”..رحمة بعقل شعبنا وبتضحياته ايضا!


