كتب حسن عصفور: أيام وينطلق “قطار الدولة الفلسطينية” المتجه لمحطته الأخيرة في مقر الجمعية العامة ليضع اسمها ويرفع علمها جنبا الى جنب مع من له التسمية “دولة مراقب”، ايام حاسمة وفاصلة لموعد يمكن اعتباره القرار الأهم والأخطر في مسار الحركة السياسية الفلسطينية في العقد الأخير ومنذ استشهاد الزعيم الخالد ياسر عرفات، وعهد الرئيس محمود عباس السياسي منذ انتخابه لترؤوس الرئاسات الفلسطينية، دولة ومنظمة وسلطة وحركة “فتح”، قرار رفع مكانة فلسطين الراهنة الى مكانة تقفز بفلسطين من مكان لآخر..
ايام وتمر ذكرى رحيل الاب الروحي والعملي للحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة وقائدها ورمزها التاريخي، وبعدهها تقترب ذكرى اقرار قرار تقسيم فلسطين (181)، الذي اكد، ورغم الظلم التاريخي الذي ألحقة بفلسطين شعبا وأرضا، على ضرورة وجود دولة فلسطينية فوق ما يقارب 44% من فلسطين التاريخية، ذكرى تجولت مع الزمن ولعدم تنفيذ الشق الخاص بفلسطين منه وسرقة واحتلال ما كان لها من أرض، الى يوم عالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني ونصرته، ايام وتبدأ الرحلة العملية لتنفيذ القرار الوطني الفلسطيني المتخذ من زمن، ربما كان يجب أن يكون حدث قبل عام من تاريخه وبمميزات أكثر تجاوبا مع رغبة الشعب الفلسطيني، لكن القائم الآن هو المضي لما لم يكن..
المؤشرات الأولية حتى تاريخه تقول ان الموقف الفلسطيني لا زال لم يصبه ارتباك أو يعتريه عوار الهروب والهلع السياسي أمام ما يقف في طريق الانطلاقة السياسية التاريخية، رغم ان التسريبات لا تتوقف للحديث عن “التحذيرات” و”التهديدات” و”الضغوط” التي تنتظر أهل فلسطين في “بقايا الوطن” وخارجه، كثير منها ترمي لتغيير مسار الانطلاقة نحو مكان غير محطتها الأصلية في نيويورك وقاعة الجمعية العامة، بعض التهديد حقيقي وبعض التحذير جس نبض وقياس صلابة الموقف، لكن المعلوم بشكل صريح أن لا سبيل أمام القيادة الفلسطينية سوى استكمال قيادة عربة قطار “الانطلاقة” نحو محطتها النهائية..
المشهد الفلسطيني لا يبدو “مثاليا” ولا “ثوريا” في العمل من أجل استكمال المسار، فالشأن الداخلي يشهد أكثر من حالة تشكل ارباكا لا يجب الاستخفاف به، ليس قبل الانطلاقة فحسب، بل في اليوم التالي لها، الذي سيفرض وضعا مختلفا وجذريا عما هو قائم الآن، فمن يروج أن لا تغيير على الوضع الفلسطيني وأن القضية ستبقى كما هو شانها، ولن يحدث تعديل يشعر به الفلسطيني، ليس سوى موقف يراد أن يكون شريكا لمنع قطار الانطلاقة، فئة تتساوق، موضوعيا، مع قوى التهديد والتحذير لمنع الذهاب، التغيير سيكون جذريا على مكانة القضية الفلسطينية إن أرادت القيادة الفلسطينية استكمال المسار..
والبعض الانقسامي يعمل على عرقلة الخطوة من منطلق أنها قد تحاصر انقسامه السياسي بل وتضع حدا لملامح “مشروعه الخاص” ما لم يستبق الذهاب، تدرك قوى الانقسام، التي تلتقي والفريق المعرقل للذهاب تحت ذرائع “ساذجة جدا”، ان نجاح فلسطين في الحصول على “دولة مراقب” في الأمم المتحدة سيفرض وضعا جديدا بكل تكوينه على المشهد الفلسطيني، لا يقف عند حدود التسمية والتعريف، فالخطوة التالية فورا سيكون إعلان “فلسطين دولة محتلة”، ما يفرض ضرورة تغيير جذري في السياسة والهياكل والمسميات ويجبر القيادة الفلسطينية أن تعيد صياغة هياكل ومؤسسات المنظمة والسلطة لتتفق والمكانة الجديدة لفلسطين تحت الاحتلال..
الخطوات التالية للقرار لها وقفة أخرى بتفاصيل أدق، يدركها جيدا من يقف بقوة لمنع الذهاب خاصة امريكا ودولة الكيان وبدرجة أقل دول الاتحاد الاوروبي، فيما يشاركهما بالتبعية بعض امتدادهم في “الداخل الفلسطيني”، كل وفقا لمرجعيته، التغيير الجوهري على مكانة فلسطين سيكون تاريخيا وثوريا بكل المعنى السياسي لهما، والتراجع عنه تحت أي مسمى ليس سوى مساهمة عملية ومباشرة في “وأد” وحدة القضية الفلسطينية لصالح مشروع “التقاسم الجغرافي الوظيفي” في “بقايا الوطن”، وبالقطع ستبقى وصمة العار حاضرة في تاريخ من يعمل على منع أو اعاقة الانطلاقة..
ومع الاعتقاد أن القيادة الفلسطينية لا تمتلك “رفاهية الوقت” للتلاعب بالمصير او التردد في حسم الذهاب، فهي لا تملك سوى الذهاب دون غيره، ولكن الذي يثير الارتباك أن قرارا تاريخيا لا يتوافق مع أي حراك شعبي سياسي وطني يشكل “جدارا واقيا” للموقف السياسي، كل ما نلمسه تحضيرات بيروقراطية تتصل بارسال رسائل او استقبالها، مع مجموعة “الاحصاء الرقمي” لمن سيكون مع أو لا يكون.. سلسلة عمل تغيب عنها المسألة الأهم والأنفع لحماية وصيانة القرار التاريخي..روح التحدي الكفاحي لما سيكون لا تزال غائبة عن المشهد القائم..
ما هو قادم يحتاج لفعل متكامل من العمل الشعبي الى التحرك السياسي الوطني بكل اركانه، لا ينحصر في فئة أو جهة.. ربما تعود مقولة “القيادة في اجتماع مفتوح” للواقع، فهي حقا عليها ان تكون كذلك مع توسيع حجم المشاركة والتشاور مع حركة “حماس” والجهاد الاسلامي” مهما كانت مواقفهما نحو القرار..الزمن لا يتوقف امام “ترهات سياسية” لهذا وذاك.. فالقرار يستحق تغييرا جوهريا في السلوك والمنهج..والابتعاد عن تفتيش “النوايا” لتكريس المنقسم أو بحث في تقسيمات أخرى..!
ملاحظة: اسرائيل استعرضت عضلاتها للمرة الثانية ضد السودان.. وطبعا رد اهل الدار والعرب كما هي العادة برد “الصاع صاعين” يوما ما.. عيش يا …!
تنويه خاص: لشعب فلسطين وبني البشرية اياما “خير من هذه الآيام”. حتما ستأتي، وعيد لم يحب سعيدا!
25-10-2012


