كتب حسن عصفور/ في أغرب مفارقة سياسية يمكن متابعتها في مفارقات العرب التي لا تنتهي، قرر مجلس وزراء العرب خطة ‘سياسية للحل’ في سوريا عمادها ‘الرحيل السلمي’ للرئيس السوري خلال مهلة زمنية محددة، قرار العرب توافق في نفس اليوم الذي غادر فيه الرئيس اليمني عبد الله صالح بلاده لهجرة إجبارية بعد التوافق على ‘المبادرة الخليجية’ وبعد ممطالات طويلة نجح صالح أن يحصل على ما لم يتمكن مبارك الحصول عليه، من ‘حصانة خاصة’ تمنع ملاحقته ومن طلب من أعوانه، قرار عربي مستلهم التجربة اليمنية لسوريا تزامن وبداية ‘الرحيل السلمي’ لرأس الهرم ورأس المشكلة..
وبعد فشل رحلة التصعيد القطري وبالتنسيق مع قوى ‘غير عربية’ لإرسال ‘قوات عربية’ جاء ‘القرار العربي’ الأخير خطوة في مفترق طرق نحو المستقبل، ولم تكن الخطة بحاجة لتوضيح الوزير القطري بن جاسم بأنها خطة مستنسخة من ‘الحل اليمني’ وأنها تهدف لرحيل الأسد ‘سلميا، مع بعض التعديل الطفيف الذي أوكلت لنائبه ‘صلاحيات التفاوض’ مع المعارضة لتشكيل ‘حكومة وحدة وطنية’ خلال شهرين ويستمر ‘التعاون’ خلال المرحلة الانتقالية إلى حين إجراء الانتخابات العامة تحت ‘إشراف ورقابة دولية’.. الخطة واضحة جدا فيما تهدف الوصول إليه من ‘حل سياسي عربي سلمي’ لقطع الطريق على ‘الحل العسكري’..
قد يبدو أن ‘الخطة العربية المطورة – المعدلة’ تمس بالسيادة الوطنية السورية، وهذا من حيث المبدأ وفي ظل الظروف الطبيعية صحيح تماما، لكن ما تمر به سوريا اليوم لم يبق من ‘السيادة الوطنية’ سوى ‘مبادئ عامة’ والأشهر الأخيرة أدخلتها إلى حالة لم تشهدها سوريا منذ الاستقلال وهو ما يجب أن تراه السلطة قبل حزب البعث الحاكم بمشاركة الحاقية لقوى ستدفع ‘ثمنا ديمقراطيا’ لذلك ‘الإلحاق’ القسري، ما تعيشه سوريا من ألفه إلى يائه هو مساس بالسيادة الوطنية بل والكرامة الوطنية، مع آلاف القتلى وحالة رعب يومي ومؤشرات عن بوادر ‘حرب أهلية’ وتعزيز ‘البعد الطائفي’ و’ النزعة القومية’، مسار سوريا اليوم ينتهك سيادتها وكرامتها. فلذا لا يجوز التمترس خلف ‘شعارات لن تجدي نفعا’..
فمن أجل ‘سوريا المستقبل’ يحتاج الفريق السياسي الحاكم أن لا يتسرع في التعامل مع ‘الخطة العربية المعدلة’ بالرفض الساذج، كما حدث في المبادرة الأولى، والتي تراجع لاحقا عن رفضه بذات الكلمات أيضا، الخطة المعدلة واضحة جلية، لكنها تسمح للأسد بما لم تسمح لصالح به، لم تطلب مغادرته سوريا ولم تطلب تفويضا كاملا للصلاحيات لنائبه، سيبقى رئيسا ‘شكليا’ إلى حين الانتهاء من المرحلة الانتقالية، وإجراء الانتخابات العامة التي يفترض أنها ستكون ‘ديمقراطية’ وبقليل من الهدوء يمكن رؤية أن الخطة أيضا تتيح ‘ديمقراطيا’ إعادة حزب البعث للحكم والسلطة لو تمكن من الفوز انتخابيا، وهو ما يجب رؤيته في جوهر الخطة العربية، فإن كان للحزب الحاكم القدرة والمقدرة على تحشيد الملايين لتأييد الرئيس فيعمل من الآن لتحشيدهم لفوز الحزب ديمقراطيا ويمنع كل أشكال التدخل وسرقة السيادة والمس بالكرامة الوطنية..
الخطة العربية المعدلة بنصوصها المعلنة ليست ‘شرا خالصا’، رغم أن نوايا بعض من يريدها هو ‘شر خالص’ للنيل من سوريا الوطن كما النيل من بلاد العرب أجمع .. الخيار الآن بين الإصرار على رفض ‘الحل العربي’ بما يعني بقاء البعث حاكما بالفوز الانتخابي أو بقاء الرئيس الأسد حاكما للأبد .. الخطة تطرح خيارين لا ثالث لهما سوى البديل العسكري الذي يتم الإعداد له بأشكال عدة..
بالمناسبة روسيا ستكون أقرب للحل العربي من الحل الأسدي.. فهي أول من تقدم برؤية حل وفقا ‘للسيناريو اليمني’ وليس الليبي.. والعرب بخطتهم اقتربوا جدا من الرؤية الروسية والتي ستكون في موضع غير قادر على الرفض المباشر..
ملاحظة: التقارير الصحفية عن مغادرة عائلة الرئيس للإقامة خارجا لم تعالج بشكل واضح من قبل الرئاسة الفلسطينية، مفترض بيان سياسي واضح وقاطع للرد على التقارير التي يسربها ‘أوساط مقربة’ من الرئاسة.. كلام أحد المستشارين ليس ردا..
تنويه خاص: هل سيكون اعتقال عزيز دويك أول اختبار سياسي للقوى الإسلامية الفائزة في بلادها ..
تاريخ : 23/1/2012م


