كتب حسن عصفور / بعد ما يقارب الأربعين عاما من وصوله للحكم عبر ثورة الفاتح العام 1969، قرر الزعيم الليبي أن يفتح طريقا مباشرا مع أهلنا الذين ارتضوا البقاء فوق أرض وطنهم وعلى مدنهم وقراهم ، بكل التسميات التي تطلق عليهم وبجواز سفر لا يمثل هويتهم الوطنية ، قبلوا أن يحملوا جنسية دولة إسرائيل وهم قبل غيرهم يعرفون ماذا يعني ذلك ..
فمحمود درويش وسميح القاسم وكل فلسطيني قرر البقاء فوق تراب وطنه ، تم عقابهم طويلا تحت شعارات ‘ فارغة’ و’خادعة’ كانوا يمارسون المقاطعة على الفلسطيني لأنه لم يهاجر ولم يذهب بعيدا ، صمد حيث كان له أن لا يكون وأن يذهب مع ملايين شتتهم المؤامرة الكبرى العام 1948، وكان لهم أن يقولوا ما لم يقله من تعامل مع فلسطيني الجليل والمثلث والنقب ويافا وكل فلسطيني عربي مزايدة سياسية ، ولكن صمود الأهل وأبناء الشعب الفلسطيني لم يهزهم ذلك ‘ الابتزاز’ رغم مرارته الحادة جدا ، فكانوا يقاتلون حكما عسكريا صهيونيا ومقاومة للدفاع عن ما تبقى لهم من أرض وبلدات وسكن ، قاموا بكل أسلحتهم دفاعا عن لغة وانتماء لوطن وهوية ، قاموا بكل أشكال ‘ التهويد’ ليس للأرض فحسب بل للسلوك والعادات والثقافة ، في حين قاوموا كل تلك ‘ الثقافة في بلاد العرب’ لمقاطعتهم وفرض الحصار عليهم ، لا يتعاطى حكام العرب أو بعض من أصحاب الشعارات الفارغة الضارة التي لم تقدم للأمة سوى مزيد من الدمار الشامل ، وكأن هؤلاء لا يرون الفلسطيني سوى في مخيمات اللجوء كي يتعاملوا معه …
سنوات طويلة حتى بدأ البعض بالتعامل مع من حمل جنسية عدوه القومي ليحافظ على ما تبقى له من حضور وطني ، أقلية قومية داخل الوطن خير من لجوء وشتات ، فباتوا اليوم وبعد سنين قوة يحسب لها حساب داخل إسرائيل ، ترفع صوتها دفاعا عن حقها الوطني القومي والعروبي ، يعجز كثيرون أن يكونوا بعضا مما يقولون .. كان قرار منظمة التحرير الفلسطينية بلقاء وفد من ‘ الحزب الشيوعي الإسرائيلي – ركاح ‘ العام 1976 في براغ خطوة سياسية شكلت انقلابا في الثقافة السياسية الفلسطينية والعربية ، لقاء علني مع وفد يحمل لقب ‘ إسرائيل’ لكنه وفد عربي ويهودي معاد للمحتل والصهيونية بشكل قاطع ودون هوادة ، وقاد الوفد الشهيد المميز جرأة وفكرا وسياسة ، ماجد أبو شرار ، الفتى الذي سقط قبل أوانه بكثير بما كان له من حضور ووعي ورؤية سياسية تفوق كثيرا من أقرانه .. ويكفي له قولته الخالدة في وجه ما رآه تعصبا فئويا ، ‘ أنا ابن فتح وهتفت لغيرها’ وليس كما هو شائع وحتى الساعة عند كثيرين ‘أنا ابن فتح ما هتفت لغيرها ‘ .. قاد ماجد ( أبو سلام ) وفدا فلسطينيا ليصبح تحولا تاريخيا في التعامل الفلسطيني مع الوضع في إسرائيل ..
ثم تطورت الأحداث بأشكال عدة وانفتحت طرق التواصل فلسطينيا وعربيا ، حتى بات حضور بعض من أبناء الشعب الفلسطيني داخل إسرائيل حضورا مشرقا في الساحة العربية ، ولعل الانفتاح الإعلامي أيضا ساهم بتغيير تلك الصورة النمطية التي رسمها أصحاب نظرية مقاطعة هؤلاء’ حملة الجنسية الإسرائيلية’ ، ولا شك أن هناك كثيرا قد حدث وفتحت بعض الدول العربية خاصة الأردن بقرار من المرحوم الملك حسين أبواب جامعاتها لأهلنا في داخل إسرائيل ، خطوة كان لها أثر كبير في منح مئات وربما آلاف من أبناء الشعب الفلسطيني إكمال تعليمهم وسط جو عربي خالص ، في ظل حصار إسرائيلي للتعليم العالي العربي ..
وفتحت مصر بعد علاقات مباشرة خاصة بعد توقيعها ‘معاهدة كامب ديفيد’ مع أهلنا هناك وكان لها أثر في كثير من الشأن الداخلي الفلسطيني داخل إسرائيل ، بل وصل الأمر أن تكون مزارا لممثلي قوى سياسية وشخصيات قبل انتخابات الكنيست الإسرائيلي .. خطوات أعادت العمق العربي لمن بقى فوق أرضه .. واليوم تأتي ليبيا لتستقبل وفدا فلسطينيا جامعا دون تمييز سياسي يضم أربعين شخصية سياسية ودينية ، قرار ليبي شجاع وشجاع جدا ، لو كان في سياق رؤية متكاملة مع مفهوم فتح ‘ البوابة العربية ‘ و’ العمق العربي’ لأبناء الشعب الفلسطيني الصامدين بقوة إسطورية فوق أرضهم وداخل إسرائيل ، كما قالها شاعر الوجدان الوطني الفلسطيني توفيق زياد ‘ هنا باقون على صدوركم باقون’ .. قرار ليبي لو أصبح عملية سياسية عربية متواصلة ستدرك إسرائيل أنها لن تهزم ‘ الوطنية الفلسطينية’ ولن تنتصر يوما عبر حرب وعدوان واحتلال ، وأن طريق التعايش في المنطقة لن يمر سوى بقبول مبادرة العرب للسلام ..
قرار ليبي جريء آن آوان أن يتحول لموقف عربي عام بلا مزاودة أو مناقصة عل جواز وجنيسة .. الذهاب إلى عمق الارتباط هو السلاح الذي ينتظره الجميع …
ملاحظة : دورة المجلس الثوري لحركة فتح الحالية هل تشكل خطوة جريئة نحو بعض مما انتظرته قواعد فتح ومعها غالبية الشعب الفلسطيني من المؤتمر السادس ..ياريت فالمشهد السياسي معقد جدا ..
تنويه خاص : لا يجوز مهما كان الخلاف أن يستغل مرض طفلة في سجال سياسي ،كان من كان والدها،.. فالمرض والموت ليس للشماتة .. عيب كل العيب المساس بثقافتنا الشعبية التي يتناساها البعض ..
التاريخ : 25/4/2010


