كتب حسن عصفور/ للمرة الثانية تصدر بعثة الاتحاد الأوروبي في القدس المحتلة تقريرا يشكل نقلة نوعية في مواجهة المخطط الاستيطاني التهويدي الذي تنفذه حكومة نتنياهو ضد القدس الشرقية وأهلها، وأهمية التقرير الثاني أنه يتحدث عن تصور محدد لمواجهة تلك الحملة الإسرائيلية، بعد أن كشفت بتفصيل دقيق كل أبعاد ذلك المخطط، وتحدث عن مخاطر طمس هوية القدس خاصة البلدة القديمة والضغط من أجل تهجير مسيحيي القدس وإلغاء آلاف من هويات أهل القدس لحرمانهم من العودة إليها، تفاصيل تستحق أن تكون جوهر تقرير فلسطيني رسمي يتم تقديمه لمجلس الأمن..
وتكمن أهمية التقرير الأوروبي الثاني الذي يحذر من المشروع الاستيطاني – التهويدي في القدس والضفة الغربية أنه يطالب بضرورة التصدي العملي لهذا المشروع الخطير والذي يراه التقرير بأنه يضع حدا لمنع قيام دولة فلسطينية ضمن ‘رؤية حل الدولتين’، وطالب التقرير دول الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات اقتصادية على المنتجات الاستيطانية أو ما يدعمها، إلى جانب دعم منظمة التحرير وتواجده في مدينة القدس، مواقف تشكل تحديثا للسياسة الأوروبية في الفعل نحو التصدي للمشروع الأخطر الذي يهدد المنطقة..
القيادة الفلسطينية تحدثت أكثر من مرة أنها ستذهب إلى مجلس الأمن لمناقشة الخطر الاستيطاني وسبل التصدي له، وأن هناك من اعتقد بإمكانية الذهاب إلى محكمة لاهاي باعتبار الاستيطان ‘شكل من أشكال جرائم الحرب’، وها هي دول الاتحاد الأوروبي تنشر تقارير تشكل مرافعة هي الأهم منذ أن صمتت الدول الغربية عن مجابهة هذا الخطر الكبير، المرافعة الأوروبية ستخدم الموقف الفلسطيني في الهيئات الدولية لو أن القيادة الفلسطينية قررت الذهاب إليها، وربما الوقت الراهن يشكل الظرف الأكثر أهمية لخوض معركة مواجهة ‘المخطط الاستيطاني – التهويدي’، والربط بينهما ضرورة سياسية وتلك من أهم ميزات التقرير الأوروبي الذي لم يتحدث عن الاستيطان فحسب، بل تحدث كيفية السلوك التهويدي للقدس الشرقية..
والذهاب إلى المؤسسات الدولية اليوم قبل الغد هو عامل سياسي مهم جدا ضد حكومة نتنياهو، ويشكل ضغطا دوليا عليها خاصة أن واشنطن التي تتغنى بتحالفها الجديد مع ‘الإسلام السياسي’ ستكون على محك الاختبار أمام مسألة تشكل روح وقلب القضية الفلسطينية، والتشدق بالقدس وأهميتها العظمى عادت لتجد لها مكانة في خطب البعض وتصريحاتهم، لذا فالفرصة الآن ذهبية لو أريد خوض المعركة دوليا، ولعلها ستكون أكثر جدوى من مناقشات التفاصيل التي لا تنتهي في لجان البحث عن تنفيذ اتفاق المصالحة ومن يؤخر ومن لا يؤخر..
خوض معركة الاستيطان والتهويد وتحديدا في المدينة المقدسة يشكل عاملا رافعا لمكانة القضية الفلسطينية ويعيد ‘الروح المفقودة’ للموقف الفلسطيني الرسمي بعد ‘التنازل المجاني’ للذهاب ‘الاستكشافي’ في عمان، ولعل فتح ‘جبهة المواجهة’ للمشروع الاستيطاني يساعد في تصويب بعض ما انحرف عن مساره رغم كل التبريرات التي لم تقنع طفلا فلسطينيا، لذا الاستفادة السريعة والقصوى من الموقف الأوروبي سيكون الرد الأبلغ على كل محاولات النيل من الموقف الفلسطيني بعد استكشافيات عمان التي لن تنتج شيئا، مهما طالت زمنا، وحتى لو لم تسطع ‘القيادة’ الانسحاب من تلك اللقاءات لأسباب لا تزال غير معلومة، فإنها بخوض معركة الاستيطان والتهويد في المؤسسات الدولية قد تقوم بـ ‘طمأنة سياسية’ للشعب الفلسطيني وتعويضا عن ‘خسائر الاستكشافيات’..
والموقف الأوروبي يمتلك ميزة تحفيزية للقوى الفلسطينية ويحرضها على العمل والفعل لحماية القدس ودعوته للتصدي للمخطط الاستيطاني – التهويدي صريحة إلى حد اللامعقول، بل إن التقرير يستجدي فصائل ‘الشراكة السياسية الجديدة’ أن تفعل ما يمكن فعله لحماية المدينة المقدسة، ليس بمؤتمرات في قاعات مغلقة وكفى أو خطابات عبر لقاءات في بلاد الله الواسعة، واستبدال استخدام القدس كأداة تصفيق وإعجاب كلامي إلى أن تصبح مكانا لمواجهة شعبية حقيقية يمكن أن تكون سبيلا لحماية المشروع الوطني الذي بدأ يتآكل قبل أن يصل إلى نهايته ما لم تنقلب أدوات المواجهة وآليات العمل..
قد يكون وصمة عار أن تستجدي دول الاتحاد الأوروبي القوى الفلسطينية وتستصرخ أن تتصدى لمخطط يطمس هوية القدس ويمنع قيام الدولة الفلسطينية.. القدس أمام اختبار الكل الفلسطيني فعلا وليس قولا ياسادة يا كرام ..
ملاحظة: طريق ‘حماس’ إلى أوروبا يمر عبر جنيف.. هل ما زال أحد يتذكر تلك الوثيقة السويسرية مع وفد حمساوي.. ربما تحتاج الذاكرة قراءتها من جديد.. ففيها كثير من شرح ‘معالم الطريق’ الجديد..
تنويه خاص: الأيام تتسارع نحو يوم 26 يناير .. والسؤال هل حقا سيكون الأخير في رحلة الاستكشاف.. سنرى أن ليس كل ما يعرف يقال..
تاريخ : 19/1/2012م


