كتب حسن عصفور/ لحسن الحظ العام، ان الحركة الاعلامية لم تعد “حكرا” على بعض مالكي الأموال ليتحكموا بها كما كانوا يوما، ولم يعد لهم القدرة على “تزوير” الأحداث أو نشر ما يراد وقتل ما يراد منها، فعالم اليوم الافتراضي والاعلامي بات له سلطة تفوق ما كان للبعض العربي يوما من “سيطرة شبه مطلقة” على حركة المعلومة والخبر..
وباعتبار أن المعلومة باتت شبه مشاع تقريبا، فلا نعتقد أن نمو حركة المقاطعة الشعبية لدولة الكيان عالميا “سرا” محظورا، فقد تحولت الى حركة علنية تتنامي بقوة أسرع من قدرة دولة الكيان على مطاردتها أو محاصرتها عبر بعض اساليبها القديمة البالية، رغم دخول أمريكا وبعض دول ومؤسسات لمساندة دولة الكيان في “حصار” المقاطعة العالمية وتحجيم دورها..
ومن آخر الرسائل التي تمثل “لطمة سياسية” لحكومة تل أبيب، رسالة 26 من أشهر فناني هوليوود، ومن المرشحين لجوائز الأوسكار الذين رفضوا الاستجابة لرحلات “مجانية فاخرة”..
دولة الكيان حاولت استغلال نجوم هوليوود بدعوتهم قبل حفل الأوسكار في 26 فبراير لتستغل زيارتهم لـ”تبيض وجهها العنصري والفاشي”، وموقفها السياسي التهويدي، والمحصلة كانت “صفرا كبيرا”..وهي التي كانت يوما تعتبر هذه المؤسسة الفنية أحد أسلحتها في تمرير سياستها الاحتلالية، وعل بعض نجوم الفن الأمريكي والعالمي قاموا بدور تسويقي وترويجي للكيان الاسرائيلي ما يفوق مؤسسات “السياسية الاسرئيلية”..
“الانقلاب الفني الهوليوودي” على دولة الكيان، يشكل رسالة سياسية مميزة وخاصة ايضا، وتعكس عمق الأزمة التي تواجهها سياسته، في ظل تهويد واستيطان وجرائم حرب وعنصرية، لم يعد بالامكان اغفالها، خاصة والنظم الاعلامية كسرت كل حدود الاحتكار والتحكم والسيطرة في عالم الخبر والتقرير..
ما حدث لم يكن نتاج حملة رسمية عربية او رسمية فلسطينية، فهي مؤسسات لم تعد بقادرة على التحرك بهذا الاتجاه، بل يبدو أنها باتت “حراما سياسيا” بالنسبة لهم، والعمل لتعزيز حركة المقاطعة وتنميتها تتسارع في مختلف مناطق العالم، كجزء من حملة لنشطاء فلسطينيين ونشطاء مؤيدين للفلسطينيين في العالم والولايات المتحدة.. نشطاء تحركوا لقطع الطريق على الزيارة بنشرإعلانات في صحيفة “لوس إنجليس تايمز” الأمريكية تحض الفنانين على عدم القيام بالزيارة.
يوسف منير، من “الحملة الأميركية لحقوق الفلسطينيين” التي قادت حملة إعلامية ضد زيارة نجوم هوليوود مع منظمة “جويش فويس فور بيس” (الصوت اليهودي من أجل السلام) الأميركية قال وصفا لما حدث : “هذا نجاح، أنا سعيد للغاية لأنه لا يوجد أي دليل أنهم ذهبوا (إلى إسرائيل)، أعتقد أن من الواضح أن هدف استغلال الممثلين لتجميل صورة إسرائيل قد فشل”.
القيمة السياسية – الفكرية لهذا الرفض من “نخبة هوليوود” تفوق كثيرا كونها “خبرا” ينشر وانتهى أمره، كما هي حركة الأخبار المتتالية، بل هو “حدث” يستحق أن يحضر بقيمته التي تستحق، خاصة وأنه يتزامن مع حركة لبعض العرب تتعاكس كليا مع مأ أقدمت عليه حركة المقاطعة الدولية للكيان، وضمنها رفض النجوم الكبار..
وتبرز قيمة هذه المقاطعة العالمية مع نشر خبر عن قيام زيارة سرية لرئيس الاستخبارات العسكرية السعودية الى تل أبيب، لبحث ترتيبات “مؤتمر أمني اقليمي” أعلن عنه الرئيس الأمريكي ترامب مع رأس الطغمة الفاشية الحاكمة في اسرائيل..
هل يمكن اعتبار هذا “التزامن” في الفعل السياسي المتعاكس “صدفة سياسية”، أم أنه يمثل واقعا عربيا خاصا يكشف أن بعض النظم العربية لم تعد ترى في القضية الفلسطينية القضية المركزية لها، حتى ولو كان باللغة والخطب والبيان كما كان يوما سائدا، كما انها بالمقابل لم تعد تعتبر دولة الكيان “الخطر الأول”، إن لم نقل “العدو الأول” لها وعليها وعلى أمة العرب..
الإنحدار لم يعد سرا، لكن الصمت عليه هو الانحدار بذاته، والعار الذي يجلل رأس بعض المدعين، وتكتمل الفضيحة هنا بأن تكون تلك الزيارة للمسؤول الأمني السعودي بترتيب مع أجهزة الرئيس محمود عباس الأمنية، استكمالا للدور الذي قام به المسوؤل السعودي السابق الجنرال أنور العشقي الى اسرائيل، وبترتيب ايضا مع أمين سر حركة فتح الجديد جبريل الرجوب، يوليو 2016..
المفارقة المثيرة للسخرية أن طلب وزير الخارجية الفلسطينية بعدم زيارة عرب الى اسرائيل كانت قبل ساعات فقط لزيارة المسؤول السعودي تل أبيب ورام الله ليلتقي مع مدير مخابرات الرئيس عباس..
هل تمر هذه المفارقات باعتبارها “أخبارا”، أم يمكنها أن تصبح فعلا لتحريك أحداثا، بعيدا عن تهديدات بلا حساب تأتي من هذا الفصيل أو ذاك..
خطوة عملية واحدة كما فعل فنانو هوليوود خيرا من “طن كلام مؤتمرات مدفوعة الأجر مسبقا”!
ملاحظة: من باب المفارقات السياسية المثيرة للسخرية في “مؤتمرطهران” دعوته الى عمل استفتاء للمسلمين والمسيحيين واليهود في فلسطين لتقرير مصيرها..هل من “المجاهدين” الحاضرين من يفسر هذه “الدعوة الكفاحية جدا”!
تنويه خاص: اصرار اعلام مشيخة قطر والجماعة الاخوانية، أن مصر تريد دولة فلسطينية في سيناء يكشف أن صناعة الكذب لم تعد “فنا” بل وقاحة مسبقة ومدفوعة الأجر..عفكرة بيان مصر والأردن سجل تعريفا جديدا حول الدولة الفلسطينية باعتبارها “ثابتا قوميا”!


