كتب حسن عصفور/ كل ما يمكن أن يقال بوصف “كبرى الجرائم” الانسانية ضد الطيار الأردني معاذ الكسباسبة ليس سوى تحصيل حاصل لوصف الحدث، وقد تبقى عبارات البلاغة مستمرة الى ابد الآبدين، ما قيل وسيقال اقل بكثير مما كان، وبلا أدنى شك فالرد واجب وطني للبلد ابن الشهيد أولا، ولكل من يدرك ان الإرهاب بات خطرا قائما يستحق التفكير بعيدا عن “الوهم” الذي اصاب الكثير مما اعتقد أن اللعب به قد يكون وسيلة لتحسين “شروط اللعبة”.
جريمة اعدام معاذ، يجب أن تصبح نقطة فاصلة في مطاردة الارهاب العام، الذي يتحول سلاحا تعويضيا للقوى الاستعمارية التي فشلت في تحقيق مخططها التقسيمي للمنطقة العربية، وتم كسر شوكة أحد أخطر المخططات ضد الواقع العربي السياسي والجغرافي، ولم تكن “داعش” نبتا شيطانيا” جاء من عالم الفضاء الكوني، أو من وراء السحاب، بل هي نتاج موضوعي بديل أنتجته الدوائر الاستعمارية بديلا موازيا للقوى التي فشلت في تحقيق المشروع الأميركي..
تعاملت بعض الدول مع تنظيم “داعش”، منذ البداية وحتى تاريخه، كما أرادت واشنطن ان تتعامل مع حركة التنظيم الارهابي الذي أنتج في مطبخ أجهزة أمنية، حيث رسمت واشنطن وإدارتها “حدود التعامل” بما يسمح لها خلق البديل السياسي – العسكري، ضمن رؤيتها الاستراتيجية لتطويق الخروج عن النص الذي كان مرسوما، ولذا صنعت “تحالفا” لا يذهب الى معالجة جذر الارهاب الجديد، وقواه، بل أنها لن تقبل اطلاقا أن ترسم استراتيجية شاملة لمواجهة التطور الارهابي بكل منتجاته بمختلف التسميات، كون الارهاب هو وسيلتها التي تعتقد انها ستحقق ما لم يتحقق..
ولعل السؤال الذي يتناوله يعرضه بعض الخبراء الاستراتيجيين، عن حقيقة الموقف الرسمي التركي، الدولة التي تشكل الحاضنة الأهم لكل القوى الارهابية النامية، بل وهي الممر الآمن لقوى الارهاب الجديد، وخاصة تنظيم “داعش”، وكانت الدولة التي قامت بعملية تبادل واسعة بينها و”داعش”، دون أن يتوقف الكثيرون عند “الثمن المدفوع”..
تركيا هي الحليف الأهم لحلف الأطلسي في المنطقة، وبها تواجد عسكري وأمني متعدد الأشكال، الا انها ايضا البواية الأهم لمرور كل ما هو غير سوري أو عراقي للانضمام الى صفوف “داعش”، وهناك مناطق متاخمة بينهما، لم نسمع منذ انطلاقة العمل الارهابي لداعش أن وقعت “مشكلة أمنية واحدة” بين التنظيم الارهابي، الذي تتشدق أمريكا انها تحاربه، وبين تركيا حليفها الأبرز في تلك المنطقة..
والسؤال لماذا تغيب تركيا عن المشاركة العلنية أو غير العلنية في “التحالف الدولي لمقاتلة داعش”، ولا نعتقد ان كل من سأل السؤال يجهل الجواب، كونه غاية في الوضوح، ولا يحتاج سوى لكتابته على الورق، بدلا من الهمس به بين حين وآخر..
من يحتضن ويساعد ويدعم قوى الارهاب الاخوانية وقوات الارهاب في ليبيا، ويشجع كل أشكال الارهاب ضد سوريا ومصر لا يمكن الا أن يكون شريكا وراعيا للأداة الأوضح وهي داعش..ومن يحاول وضع مسافة بين قوى الارهاب لا يخدع سوى ذاته،و يقدم الخدمة العملية لاستمرار الارهاب وتطوره الى حين أن تصبح الأهداف التي من اجلها تم ايجاده قريبة المنال..
قبل ايام فقط من اعلان جريمة حرق معاذ، خرجت واحدة من القنوات الاخوانية “رابعة” لتطالب كل “مجاهدي الجماعة” بقتل وحرق كل جندي مصري أو رجل أمن، في ذات سياق ما تعلنه “داعش”، اعلام تحتضنه تركيا وتوافق عليه أمريكا هو من يقف وراء داعش، وما يحدث في سيناء ضد مصر وجيشها، بعضا من “حصانة تركيا – اميركا وقطر” للتنظيم الارهابي الأم، والذي اصدر بيانات رسمية باسم “فارس الثورة” او “اجناد مصر”، و”المقاومة الشعبية”، بيانات تعلن دخول جماعة الاخوان رسميا وعلانية مرحلة الارهاب ضد الدولة المصرية، ذات الجماعة التي تحتضنها تركيا وتقابلها واشنطن لتشجيعها على توسيع رقعة العمل الارهابي، في مصر وليبيا، كما هي أول من بدا الارهاب في سوريا..
داعش أصغر أداة في المخطط الارهابي، ومن يعتقد انها عنوان المعركة لن ينجح مطلقا في هزيمة الارهاب، فالحقيقة أن الارهاب بات تحت رعاية أمريكا وحاضنة تركية قطرية، وهو البديل عن فشل مخطط “خطف المنطقة” ضمن مشروع التقسيم العام، وخلق “خلافة بمقاس قزم واشنطن الجديد”..
ولعل من المفيد أن يقرأ بعضنا ما تحدثت عنه مجلة “نيوزويك” الأميركية في عددها الأخير، حول ما أسمته “اقتراحات أمريكية بجعل الحرب ضد داعش دائمة”، وأن البيت الأبيض يبحث عن تمرير قانون جديد بتفويض للحرب، رغم أنه يمتلك مثيلا له، وكشفت ان ذلك ليس سوى ذريعة لابقاء الحرب مفتوحة وتمتد في اي مكان بالعالم..
وبحسب المجلة، “كان من دواعي القلق قراءة بعض ما جاء في لقاء جديد أجري مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية مارتين ديمبسي، فمن جهة، أيد ديمبسي فكرة تمرير قانون جديد ( في الكونغرس) ، لكنه أوضح أن ذلك سيقدم شيكاً على بياض للجيش الأمريكي لكي يفعل ما يشاء”.
وقال ديمبسي: “أعتقد أنه عند تحديث مهمة – قرار التفويض المعروف بـ”أي يو إم إف”- ، ستكون جميع الخيارات مطروحة على الطاولة، وعندها سنتباحث فما إذا كنا نريد استخدامها أم لا، لكن التصريح الضروري يجب أن يتخذ”.
وكنقطة أخيرة، توصل ديمبسي لخلاصة تعني بأن الشيك المفتوح جغرافياً، يخول، في الواقع، مهمة (أي يو إم إف) لمواصلة عملياتها إلى الأبد.
لا نعتقد أن هناك خلاصة لكشف القيمة الاستراتيجية لاستخدام “داعش” من اجل اعادة السيطرة على المنطقة كما هي تلك الخلاصة التي أوردها رئيس الأركان الأميركية ديمبسي..
حرب بلا نهاية الى حين تستطيع امريكا استرداد ما ضاع منها، وتحالفها “تركيا – قطر والجماعة الاخوانية” بكل مشتقاتها ومسمياتها، فلا فرق بينها ما لم تفرق عنها رسميا..
الحرب على “داعش” تبدأ بالحرب على صانعيها ومشغليها وحاضنيها في كل مكان توجد به..ومن يظن غير ذلك فالفشل والخيبة نتيجته..البدء الحقيقي لهزيمتها بصناعة تحالف من أصحاب المصلحة الحقيقية في القضاء على الارهاب وليس من ينتجه ويغذيه، فالارهاب الحقيقي بات معلوما ومن يريد القضاء عليه ليبدأ رحلة مسار نحو نقطة الارتكاز..
ملاحظة: من أظرف ما يمكنك أن تقرأ أن يقول لك قائل من حماس أنه لا علم لنا بزيارة وفد الفصائل، وآخر منهم يقول الترتيبات مستمرة..وثالث لم ينسقوا معنا..في أكثر من هيك هرتكة سياسية…كله بيكذب على كله!
تنويه خاص: نحتاج توضيح وسريع من ما يقال عن تقديم نجل الرئيس محمود عباس خبراته الاستشارية لأطراف اسرائيلية في الانتخابات..لو حدث ليخرج النجل قبل الوالد ليعتذر وليترك هذه الفعلة لغيره..موقع الرئاسة مش “ولدنه”!


