بقلم: حسن عصفور
قد لا يكون فعلاً إيجابياً أن تكون بداية العام الجديد، حديثاً عن انتكاسة سياسية، خاصة وأن الشعب الفلسطيني يحتفل سوياً مع كل متطلع لعصر من الحرية، بذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة ،التي فجرتها حركة فتح عام 1965 لتتواصل مع قوى الثورة لاحقاً، قيادة مسار التحرير الوطني في ظل أعقد الظروف السياسية عربياً، خاصة بعد هزيمة حزيران 1967، ثم انتصار أكتوبر 1973 وما بينهما من أحداث أكثرها سوءاً كانت أحداث أيلول بين الثورة والأردن، وما بعد النصر التشريني من أحداث تاريخية، أبرزها زيارة السادات لإسرائيل وما نتج عنها من اتفاقية كامب ديفيد، ثم حرب لبنان 1982 وخروج المقاومة رسمياً من هناك، وصولاً إلى اتفاق أوسلو التاريخي وإقامة السلطة الوطنية بقيادة الزعيم الخالد ياسر عرفات، أحداث تاريخية ليست هي ما اخترت الكتابة عنها، مع ذكرى الثورة التي لن تتلوث بانقلاب أسود ظلامي لأنه بدا محدوداً، وسينتهي أيضا كما بدأ.
إلا أن انتكاسة \”أنا بوليس\” هي التي تستحق منا الإشارة، خاصة وأن الطرف الفلسطيني قد حمل آمالاً بها ومعها، علّها تكون بوابة التحرير والحرية من الاحتلال والظلام في آن. وهو ما لمسناه في تصريح الرئيس محمود عباس عندما حدد هدفه من الذهاب والمشاركة في \”المؤتمر الخريفي\” بالتوصل إلى \”اتفاقية إطار\” تحدد مضمون التسوية لقضايا الحل الدائم، وليس مجرد \”إعلان مبادئ \” باعتبار ذلك لم يعد كافياً، بل وحدد سقفاً زمنياً لذلك، مدته ستة أشهر يجب أن تنتهي في شهر أيار العام 2008، ولا شك في أن ذلك لم يكن تسرعاً من الرئيس أو استنتاجاً ورغبة سياسية، بل هو نتاج تقدير سياسي إثر سلسلة الاتصالات مع الإدارة الأميركية وهدفها من جراء ذلك المؤتمر الذي سعت إليه، وبعد عدة لقاءات جمعته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت .
إلا أن ما حدث لا علاقة له بذلك، بل كان شكلا من أشكال السذاجة السياسية لطرف دعا لعقد مؤتمر انتهى به المطاف ليحدد تاريخا لانطلاق العملية التفاوضية وعلى أساس مختلف عما كان يجب أن يكون، وفقا لبيان تمت قراءته من الرئيس الاميركي، بشكل كوميدي قلّما نجد مثيلا له، ولا يستطيع أي كان سوى الإقرار أن ما حدث هنا ليس سوى انتكاسة من طراز خاص، رافقها بعد العودة للوطن إعلان إسرائيل انطلاق نشاطها الاستيطاني في منطقة القدس وخاصة ارض \”جبل أبو غنيم\”، ونشاط ربما ليس ملحوظا عند البعض، في منطقة \”الأغوار الشمالية\” لتؤكد إسرائيل أن \”أنا بوليس\” ليس قيداً على فعلها المتعاكس كلية مع عملية التسوية وليس فقط مع الاتفاقات السابقة، بما فيها سيئة الذكر \” خارطة الطريق \” لتؤكد غريزتها العدوانية وقرارها السياسي بتحديد مصير القدس والحدود الشرقية بالطريقة التي تلائمها بعيدا عن الشريك الفلسطيني، بل وكأنها تعمل إلى جانب الانقلابيين للتخلص منه بشكل أو بآخر، خاصة وأن رد الفعل الفلسطيني لم يتبلور إلى الشكل الذي كان لابد له من أن يقطع الطريق على استمرار إسرائيل في فعل ذلك .
وكانت المشاركة العربية في مؤتمر \”أنا بوليس \” هي المشاركة الجماعية الأولى لمؤتمر سياسي دولي تشارك فيه إسرائيل، دون أن يرفض طرف عربي هذا الحشد الدولي، بل وكان القرار الجماعي بالمشاركة سابقة لم تحدث في تاريخنا العربي المعاصر، مع مبادرة للسلام اعتبرتها يوماً الولايات المتحدة وحتى إسرائيل كسباً سياسياً تاريخياً، ومع ذلك، فإن الثقل العربي لم يكن حضوره فاعلاً إلى الدرجة التي كان لا بد لها أن تكون، خاصة وأن الظروف الإقليمية كانت تعطي قيمة إستراتيجية للمشاركة العربية فعلاً وأثراً يفوق من حيث الوزن السياسي التكتلات الإقليمية الأخرى.
إلا أن نتائج ذلك لم تجد لها مكانا في ساحة الفعل المباشر سياسياً ، فـ\”الحضور التاريخي\” كان وكأنه \”غياب تاريخي\” بحيث جاء البيان هزيلاً ومخجلاً لكل من شارك في الحضور، حتى الموضوع السوري لم يتم التعامل معه بالطريقة التي تحترم الكلمة التي تعهدت بها الإدارة الأميركية، واكتفت المجموعة العربية بقرار عن مؤتمر قادم في موسكو عام 2008 دون تاريخ محدد، رغم أن سورية وعلى لسان نائب رئيسها الشرع اعتبرت أنها الطرف الوحيد الذي خرج \”منتصراً\” من \”أنا بوليس\” لتؤكد انتكاسة أخرى أنتجها \” المؤتمر الخريفي\” .
ولم تتوقف المسألة هنا، فإسرائيل لم تكتف بضرب الشرعية الفلسطينية عبر النشاط الاستيطاني، بل إنها ضاعفت من عدوانها ضد قطاع غزة عسكرياً وحصاراً، وان حاولت استثناء حماس ومنتجاتها من ذلك الفعل بأساليب عدة، خاصة بعد مكالمة رئيس الوزراء السابق والقيادي في حركة حماس إسماعيل هنية مع التلفزيون الإسرائيلي حول التهدئة، ونشاط حماس مع البعض حول صفقة شاليت الجندي الإسرائيلي المخطوف .
وإسرائيل بذلك إنما تهدف الى استخدام \”الانقلاب الأسود\” ضد الحضور السياسي للشرعية من خلال عدوان وحصار في القطاع واستيطان في الضفة، في حين تتواصل الحركة السياسية بغضبها الكلامي بشكل معتاد .
إن بعض انتكاسات أنا بوليس، لا بد من مواجهتها بالفعل الفلسطيني الذي يجب أن يكون، ولا أفضل من المكان العربي لذلك، بعد أن نصل الى قرار وطني فلسطيني لتحديد الموقف السياسي الذي يتفق عليه مع الأشقاء العرب، وقبل وصول الرئيس الاميركي إلى المنطقة، والأمل أن يكون القرار العربي بعد إعلان اجتماع المجلس الوزاري العربي هو تعليق المسار التفاوضي الفلسطيني الإسرائيلي لتأزيم الحركة في وجه زيارة جورج بوش، ودفعها بشكل جاد للبحث عن وضع مسار حقيقي للتسوية السياسية .
إن الانطلاقة الجديدة ضرورة سياسية لحماية ما تبقى، حمايته وطنياً وقومياً في مواجهة حالة تصعيد عدواني واستخفاف سياسي بالأمة .
01 كانون الثاني 2008


