كتب حسن عصفور/ بالتوازي مع انتهاء قمة عمان 28، واعلان تمسكها بالمبادرة العربية للسلام، نصا حرفيا كما وردت عام 2002، رغم انها ليست الأفضل فلسطينيا وعربيا، قامت صحيفة عبرية بالكشف عن رسالة من الرئيس الأمريكي ترامب الى رأس الطغمة الفاشية الحاكمة في تل أبيب نتنياهو، حملت مضامين “هامة” بخصوص توجه ترامب نحو حل قضية الصراع..
الرسالة التي حملها محام أمريكي (يهودي) ألن درشوفيتش، وصفته الصحيفة العبرية، بأنه مقرب من أوساط “اليمين الإسرائيلي”، تتحدث عن أن ترامب يريد التوصل إلى صفقة بين إسرائيل والفلسطينيين وأنه يعتقد أن صفقة كهذه ممكنة حاليا أيضا.
المحامي قال لنتنياهو عبر اتصال هاتفي، “..ذكر الرئيس (ترامب) أمامي أنه يعتقد أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس مستعد للتوصل إلى صفقة مع إسرائيل (الآن)، وأنه (ترامب) يعتقد أن الظروف ناضجة لصفقة كهذه وأن الأمر ممكن”.
هذه أول رسالة في تاريخ الإدارات الأمريكية التي تنوب عن الرسمية الفلسطينية، منذ انطلاقة منظمة التحرير الفلسطينية 1964، مروروا بالثورة الفلسطينية الى تأسيس السلطة الوطنية 1994، وحتى ساعته، وتقوم بارسال رسالة الى رئيس وزراء اسرائيلي تشرح له استعداد التوصل الى عقد صفقة مع اسرائيل، وأن الرئيس عباس جاهز الى ذلك الآن..
رسالة تكشف بشكل مباشر أن الطرف الفلسطيني، وضع تصورا كاملا لصفقة سياسية، وجدت حماسا منقطع النظير عند الرئيس الأمريكي ترامب، بحيث أنه تحول الى “مندوب لنقل تلك الصفقة” الى نتنياهو، بسرعة ضوئية..
وبما أن الرئاسة الفلسطينية، لم تعلق على “الكشف الترامبي”، لا نفيا ولا توضيحا، فهو بالتالي يحمل كثيرا من الصواب، مبقين هامشا بعدم معرفة الرئيس عباس وفرقته بعمق “اللغة الترامبية”، وقد يفهمها اليوم أو غدا ويخرج أحدهم موضحا أن الرئيس محمود عباس مستعد للصفقة، ويعيد ما يقوله دوما، ولكن تصريح قد لا ينشر الا بالعربية..
أهمية رسالة ترامب الى نتنياهو، تكشف أن جولة المبعوث الأمريكي غرينبلات، حققت ما لم يستطع غيره من مبعوثي أمريكا تحقيقه، ويمكن القول أنها المرة الأولى التي تقوم واشنطن بالحديث بلغة كما وردت في الرسالة المنشورة..
ولكن، ما هي عناصر الصفقة التي يمكن أن يوافق عليها الرئيس عباس وفريقه، ووجدت كل هذا الحماس عند الرئيس الأمريكي ترامب وفرقته التفاوضية (كلها يهود)، واعتبرها صفقة لانجاز التسوية وحل الصراع الآن الآن وليس غدا..
ما يقال فلسطينيا بشكل شبه دائم، بما فيه آخر “خطابات الرئيس عباس في القمة العربية بعمان”، انه متمسك باقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، مع فتح الباب أن تكون القدس “عاصمة” لدولتين، مفتوحة لأهل الديانات الثلاثة، وهو شعار يحمل في طياته أن لليهود حق ديني في القدس، ما يمثل “تنازلا تاريخيا” عن الثوابت الفلسطينية..ويؤكد على ضرورة تنفيذ مبادرة السلام العربية كاملة..
بعضا من الهدوء، هل يعقل أن يكون ترامب وصل الى “قناعة” خلال أقل من شهرين على استلامه الحكم بـ”عدالة القضية الفلسطينية”، وتحول بسحر عباسي من النقيض الى النقيض، واصبح “رسولا مبشرا” للسلام على الطريقة الفلسطينية..
هذا ممكن، فلا يستطيع الانسان أن ينكر أو يتنكر لحدوث “معجزات سياسية”، كما هذه “المعجزة”، لكن بالمقابل وبواقعية سياسية، من الصعب الاعتقاد بأن ترامب بات مبشرا للرؤية الفلسطينية، بل الأقرب للمنطق والعقل السوي، أنه حصل على “موقف فلسطيني” يختلف كثيرا عن تلك “الثوابت” التي يقال عنها، وأصابها بعض “الحركة السياسية” التي نالت كل هذا الاعجاب من الرئيس الأمريكي الذي يراه اليهود الأشد تطرفا في الكيان أنه “هدية الرب” لدولتهم..
لنفكر ما هي العناصر التي يمكن أن تتحرك من “ثابت فلسطيني” الى “ليونة سياسية”:
1- الحدود وتبادل الأراضي: قطعا لا يمكن أن تكون هي ذاتها الواردة في قرار الأمم المتحدة 2012، وبالتالي ربما تصبح الحدود مقاربة لحدود 1967، اي تبادل اراضي بما يقنع ترامب أولا، وهنا النسبة ستتجاوز الـ6%، ومقابلها نسبة قد لا تكون بالقيمة والمثل، مهما حاول البعض “التذاكي”..
2- القدس: الموقف الفلسطيني، أن القدس الشرقية المحتلة هي عاصمة دولة فلسطين، ويجب أن تعود كاملة، بما يعني عدم الاعتراف بأي كتل استيطانية أقيمت عليها، تحولت الى “أحياء” تراها حكومة الاحتلال كجزء من القدس التي تريدها عاصمة لها..وهنا الصفقة تشير أن الرئيس عباس وفريقه أبدى مرونة كبيرة جدا حول عدم الاشتراط بتفكيك تلك المستوطنات واعتبارها جزءا من صفقة “التبادل”..وعندها نقول أي ارض يمكنها ان تماثل أرض القدس قيمة ومثلا..!
3- اعتبارأن القدس عاصمة مفتوحة للأديان الثلاثة هو اعتراف رسمي بأن هناك “أماكن مقدسة” لليهود، وهنا بلا ارهاق العقل، هذا اعتراف بأن “حائط البراق” سيصبح “حائط المبكى”، بكل ما يليها من تبعيات دينية، ويصبح الحديث لا حقا عن “الحرم الشريف / الهيكل”، كما أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي الراحل اوباما، والذي كسر كل مواقف أمريكا من القدس ليعترف بـ”يهوديتها”..
4- اللاجئين: التمسك بمبادرة السلام العربية حرفيا، لا يقصد به الحديث عن الحدود، بل ما يتعلق بقضية اللاجئين، حيث المبادرة العزيزة جدا على قلب الرئيس عباس، تقول “حل متفق عليه”، وهو الغاء عربي لقرار الأمم المتحدة الخاص بحل قضية اللاجئين 194..وأصبحت موافقة دولة الكيان شرطا ملزما للحل..وهو ما يعني عمليا لا حل !
5- مسألة “يهودية الدولة”: يمكن الاعتقاد أن الرئيس عباس شرح لمبعوث ترامب، بعد الحل وضمن الاعتراف بحق اليهود الديني في القدس، يمكن بحث تلك المسألة، ولن نعارض تسمية دولتهم بالاسم الذي يريدونه، دون شرط اعترافنا المسبق، وتترك تلك المسألة لما بعد انهاء”الصفقة”..
تلك بعض أبرز ملامح “الصفقة” التي يعتبرها ترامب صفقة مقبولة له، وما يقبله هو باعتباره الأقرب لليمين الاسرائيلي سيكون “مقبولا” للكيان..
القضية الآن برسم الرئاسة الفلسطينية، فهل حقا قدمت ما يراه ترامب “فرصة العمر” ولن يتركها تمر مرورا أمام “غباء اليمين الإسرائيلي وتطرفه”، ام أن ذلك محاولة ترامبية مسبقة لفرض “شروط” على الرئيس عباس خلال رحلته الميمونة الى واشنطن خلال أيام قليلة..
الكشف الترامبي حدث يستحق الرد، وعدمه سيفتح “باب جنهم السياسي” على الصامتين عليه باعتبارهم “موافقون”!
ملاحظة: قمة عمان 28 الى جانب “الثابت السياسي اللغوي حول الحقوق والواجبات”، قدمت جديدا ما بالدعوة الى تشكيل إطار تشاوري بين الجامعة العربية ومجلس الأمن..شو ممكن يكون هالإطار ..بدها نفس!
تنويه خاص: تمكن اعلام الرئيس عباس من حصار دعوته للقادة العرب بزيارة القدس..فحذفها من النص المنشور رغم انه مسجل صوتا وصورة..الصراحة كانت دعوة هي أطرف ما في القمة، مع “زلة عون”..الرئيس نفسه لا يجرؤ على زيارتها..فكيف عملها طيب..للعمر أحكام!


