كتب حسن عصفور/ عاد خالد مشعل، رئيس حركة حماس الى احتلال صدارة الأخبار ثانية، ولكنها عودة لا تبدو “حميدة”، حيث اشتعلت الوكالات الإخبارية بخبر طرده من العاصمة القطرية، اخبار بثتها محطات تلفزية واذاعية وتناقلتها صحف، بكل اللغات الحية، وسارعت خارجية الكيان الاسرائيلي بالترحيب بالخطوة القطرية، وكأنها حقيقة سياسية، وحددت الأخبار أن مقصد “المطرود” مشعل ستكون المدينة التركية الجميلة اسطنبول، والتي باتت مقرا لبعض الفارين ، من الجماعات الارهابية الاخوانية وتحالفها، ومكان لشخصيات سورية متنوعة الولاء والانتماء..
وبعد ساعات من انتشار الخبر، خرج بعض قادة حماس لنفي ذلك، وأكدوا ان خالد مشعل باق في العاصمة القطرية، دون تغيير يذكر، لكن بعضهم قام بتسريب جملة مضافة على النفي الحمساوي، مع “تحديد في النشاطات”، وهذه الجملة ليست سوى توضيح للحقيقة القائمة منذ أن بادرت الدولة القطرية وأميرها الشاب بتصويب مسار العلاقات مع دول الخليج، وذهب الى الرياض مقبلا رأس العاهل السعودي، واستجاب لشروط المصالحة، التي بدأت بطرد بعض قيادات الجماعة الاخوانية الارهابية وتحالفها، فيما نصحت مشعل وقيادات حماس بالصمت الممكن، وعدم القيام بأي نشاط اعلامي وسياسي في العاصمة القطرية ومنها أيضا..
وغاب مشعل عن وسائل الاعلام، سوى من مقابلات محدودة جدا، أقل من عدد اصابع يد واحدة، بلا تصوير، اي مقابلات صامتة، وخاصة بالقدس والأقصى، ولم تعد قناة “الجزيرة” جزءا من الحضور الاعلامي للقيادي الذي كان محل ترحاب لم يجده قيادي فلسطيني يوما، حتى غاب عن شاشتها خبرا وخطابا..ولا ضرورة للتأكيد أن ذلك قرار أميري لا راد له، لينتهي “عصر مشعل المفضل” في العاصمة القطرية، التي نعم به بعد “هروبه” من دمشق..
ويبدو أن الرئيس السوري، رغم كل مشاغله وهموم بلده والحرب متعددة الأطراف، لم ينس لخالد مشعل “فعلته”، ففتح ناره بغير حساب و”قال في مشعل ما لم يقله مالك في الخمر”، ولا نعلم أهي مصادفة كانت تلك الحرب الأسدية على مسؤول حماس الأول، وما يحدث له من تقييد حركة وكلاما في العاصمة القطرية، بما يشبه “الإقامة الجبرية بضيافة خمس نجوم “، فيما طهران تفتح بابا لوفد حمساوي مع تلميح بأنها ستدعو مشعل لزيارتها يوما ما، بلا تحديد زمني لتلك الدعوة..
هذه اللغة الايرانية، تعني فيما تعني رسالة “باطنية جدا” لخالد مشعل أولا، ولقيادة حماس الخارج ثانيا، ان الباب الإيراني مفتوح ولكن بقواعد ليس كما كانت في السابق، فهي وحليفها الأسد لدغوا من “حماس الإخوانية” لدغة كشفت أن “ضمير حماس الإخواني” فاق كل الحسابات فرمت خلف ظهرها ما لسوريا وايران من فضل ومكرمات سياسية وعسكرية ومالية واقامة وضايفة متعددة المظاهر، لم تقدم لها من أي طرف مهما كان اسمه وعلا شأنه، حتى جماعتها الأم في مصر لم تجرؤ استضافة شمعل خلال حكمها لمصر، مكتفية بموسى ابو مرزوق، والذي وصل قبل حكم الجماعة..
لكن حماس، مع أول ملف طريق إخواني تعرت أمام اخوانيتها فنست كل ما كان..أسقطت سوريا وأسقطت ايران من حساباتها، ولعل أهل القطاع وفلسطين يذكرون جيدا أن حماس تجاهلت كليا أن تقدم الشكر لإيران، كما فعلت مع قطر وتركيا واخوان مصر خلال حرب 2012 والصور الشاكرة والناكرة أيضا لا زالت حية..
وقد كتبت في حينه بتاريخ 17 نوفمبر 2012 مقا لا في هذه الزاوية، بعنوان “ايران ..شكرا وأكثر”!، اشرت فيه الى نكران حماس فضل ايران وسوريا وحزب الله في دعم القدرة العسكرية لحماس.. ولا نظن أن ايران يمكنها أن تتجاهل أو تنسى تلك الاساءة ذات النكهة الاخوانية التقليدية بعدم الأمان والوفاء، والتي يرددها أهل المحروسة دوما، “عبد الناصر قالها زمان الإخوان مالهوش أمان”، وطبعا حماس بنت الجماعة عديمة الأمان..
الإ أن ايران تحاول أيضا استغلال حالة الانهيار السياسي لحركة حماس في الخارج، ولحصار مشعل وغيابه السياسي الاعلامي وانتكاسته غير المتوقعة، ما قد يجبره على الارتهان الكامل للمشروع الايراني، في قادم التطورات، خاصة وأن ظهره بات عاريا بعد مصير جماعته الأشد سوادا مما توقع مؤسسهم في عام ، 1928..
ولأن مصير مشعل ومستقبله بات رهنا بجغرافيا الواقع السياسي – الاقليمي الجديد، فقد يكون هذا الواقع ذاته بابا لقراءة مختلفة لخالد مشعل ومن معه في قيادة حماس، ويعلن تخليه “طواعية” عن رئاسة الحركة وقيادتها”، لكي تعود الى من يستحقها داخل “بقايا الوطن” وفي قطاع غزة تحديدا، حيث أن مصير حماس العام بات متعلقا بمصير الحركة في قطاع غزة، قبل أي منطقة أخرى..
تنازل خالد مشعل عن رئاسة حركة حماس، قد لا يكون “منة” منه، بقدر ما يكون تصويبا لما حدث في آخر انتخابات للحكرو خلال “زمن الإخوان”، حيث أعلن مشعل في حينها أنه لن يترشح لرئاسة الحركة، وفعلا تم تسميته رئيسا لمجلس الشورى، قبل أن تثور ثائرة “اخوان الأردن”، ويثيروا نزعة “غير أخلاقية” ذات بعد جغرافي، لتعيد مشعل الى رئاسة حماس..ولذا فخطوة مشعل الآن بالتخلي عن الرئاسة هي اعادة حق لم يكن له، وتحصينا لقرار الحركة قد لا يكون مصانا في ظل مشهد “التلاطم الإقليمي الجديد”..
وربما تكون عودة رئاسة حماس الى مهدها الأول في قطاع غزة، فرصة لها بمزيد من المرونة السياسية والتجاوب مع متطلبات التغيير الاقليمي والداخلي، لكي تلعب دورا أكثر فاعلية في مستقبل فلسطين وواقع قطاع غزة، وتعيد فتح المسار المصري بعد أن أدركت أن لا مستقبل بلا مصر وثورتها..وان تترك خلفها ارتباطا لم يعد له قيمة تاريخية..
خطوة مشعل، لو حدثت ستحسب له أولا ولحماس ثانيا، بأن المصلحة العليا للحركة حقا فوق الذات والشخصنة..فهل يفعلها مشعل ويمنح حماس فرصة انطلاقة جديدة..بأمل وانتظار!
ملاحظة: انتفاضة بعض فصائل اليسار الفلسطيني، خاصة الجبهتين الشعبية والديمقراطية ضد النهج العباسي المنفرد والمتفرد “بشرة خير” فعلا..بعيدا عن الحسابات الذاتية ومع كل رافضي “بلفور 2” قوى وشخصيات يمكن تصويب المسار “شاء من شاء وأبى من أبى”..اليس كذلك!
تنويه خاص: مكالمة وزير الرئيس الأول د.رامي مع القيادي في حماس ابو مرزوق تحمل شيئا غريبا..رامي استعد بحل كل القضايا العالقة، بما يعني قضية رواتب موظفي حماس..افتراضا انه صادق، فمن أين لك يا رامي فلوسا مع وقف أموال المقاصة..طبعا لو صدق الكلام!


