كتب حسن عصفور/ قبول فلسطين عضوا باليونسكو كان أمرا محسوما بالتصويت الديمقراطي، البعيد عن المطرقة الفيتوية، حيث الجمعية العامة هناك لا يوجد بها تلك الأداة القهرية التي تسيطر بها أمريكا على مقاليد مجلس الأمن، خاصة إن كان المشهد العالمي مرتبكا أو مبتزا بالقوة المالية أو العسكرية، وفي أي مكان عام ودون فيتو، لن تنجح واشنطن في الفوز بأي قضية تعارضها، فالعالم بأغلبيته دائما ما يكون مخالفا للموقف الأمريكي، والقوة التصويتية في مؤسسات الأمم المتحدة مثال صريح جدا على ذلك، وآخر الاختبارات كانت المسألة الفلسطينية التي قهرت أمريكا جهارا نهارا حتى لو لم يكن هدف البعض من بين ‘ظهرانينا’ ذلك، لم تنفع كل محاولات الإرهاب المالي، أو الابتزازت الرخيصة ضد دول تحتاج بين حين وآخر لبعض ‘السند’ الأمريكي، لكن قوة التمرد العالمي كانت حاضرة بشكل مذهل.
ولعل الصوت الذي كان المفاجأة الكبرى، أو الجائزة الكبرى للتصويت لصالح فلسطين، جاء من قصر الإليزية حيث يقيم الرئيس الفرنسي ساركوزي، عندما أصدر أمرا ساعات فقط قبل التصويت بأن تصوت فرنسا بنعم لقبول فلسطين عضوا وليس بالامتناع كما كان مقررا سابقا، الانقلاب التصويتي الفرنسي كان له أثر في تغيير وجهة عدة بلدان أوروبية للتصويت بنعم، وقد تكون من المرات النادرة التي نرى فيها فرنسا في عهد ساركوزي اليهودي الديانة، أن يخالف التصويت الأمريكي أو ينقلب على واشنطن بهذه الطريقة المفاجئة، ولم يلتفت إلى حكومة الطغمة الفاشية الحاكمة في تل أبيب، ‘انقلاب’ لم يكن بالحسبان السياسي في عداد المصوتين لدى دائرة ‘الإحصاء الرقمي الفلسطيني’، ولذا كان ‘الصوت الفرنسي’ ومن معه أوروبيا جاء كدرة للتصويت، مع التقدير المطلق لكل الدول الشقيقة والصديقة.
والسؤال الذي يقفز إلى الذهن، ما هي أسباب هذا الانقلاب المفاجئ الذي أدى لتغيير الموقف من الامتناع إلى النعم، يمكن القول إن فرنسا أدركت أن فلسطين ستنجح بالحصول على العضوية شاءت أوروبا وواشطن أم لم تشأ، الغالبية في درج المندوب الفلسطيني، لذا لاقيمة للامتناع الفرنسي لتعطيل ‘التمرد العالمي’ على الجبروت والبغي الأمريكي، وهزيمة فرنسا في عقر دارها سيجعل منها ‘أضحوكة’ أمام شعبها والعالم، ولذا قررت الانقلاب والمشاركة في التمرد، بينما يعتقد البعض أن التصويت هو محاولة فرنسية لتصويب ملمحها العام، خاصة بعد المشهد الإجرامي لمقاتلي ومسلحي المجلس الانتقالي في ليبيا ضد العقيد القذافي، من تنكيل وتشويه واغتصاب ثم إعدام رجل أسير مهما كانت جرائمه.. مشهد سيبقى حاضرا بقوة لكل من له صلة بحقوق الإنسان، وفرنسا كانت شريكة بهذه الجريمة ضد الإنسانية، وهو ما قد يهز صورتها كثيرا في العالم العربي.. لكن البعض يرى أن فرنسا تستعد لهجوم سياسي جديد مصحوبا بمواقف أمنية ضد النظام السوري، وهي لاتستطيع الاستمرار بالحديث عن ‘حقوق الإنسان’ فيما لو كان لها موقف مضاد من أبسط تلك الحقوق بالتصويت لفلسطين، وهي صاحبة الحق التاريخي بالعضوية الكاملة في الأمم المتحدة، ولذا كان الانقلاب التصويتي.. فيما يذهب آخرون إلى أن الوضع الداخلي للرئيس ساركوزي قبل الانتخابات بات مهزوزا جدا، خاصة بعد الهزيمة الانتخابية التاريخية أمام اليسار في مجلس الشيوخ، وهي مؤشرات لا تبشر بخير انتخابي رئاسي، ولذا أراد أن يعيد بعض ‘الاستقلالية الفرنسية’ عن أميركا التي كانت قبل أن يكون رئيسا وأضاعها لصالح واشنطن.
فيما يعتقد البعض، أن فرنسا أخذت في إعادة تقييم موقفها العام من القضايا الدولية على ضوء الاهتزاز والتراجع في مكانة أمريكا دوليا وأزمتها الداخلية الحادة، خاصة على الصعيد الاقتصادي، ما يسمح لفرنسا بأن تستغل ذلك لإعادة تحسين مكانتها الدولية وقدرتها على تعزيز مناطق نفوذ خسرتها لصالح أمريكا في زمن ‘التبعية الساركوزية’.. أسباب متعددة يتم الإشارة لها.. وقد تكون جميعها كرزمة واحدة أدت إلى هذا ‘الانقلاب التصويتي’ .. ولكن السؤال الأهم : هل تواصل فرنسا ‘تمردها’ على واشنطن، وتكمل تصويتها في مجلس الأمن لصالح قبول فلسطين عضوا في الأمم المتحدة، لو حدث ذلك سيكون لفرنسا حسابات أكبر كثيرا من كونها لحظة تمرد مؤقت.. وعندها سنغفر لساركوزي وحكومته كل خطاياه الأخيرة .
ملاحظة: واشنطن عبرت عن خيبة أملها من حكومة نتنياهو بخصوص النشاط الاستيطاني الجديد.. شو قيمة ذلك في الحساب البنكي السياسي.
تنويه خاص: تسخين الإعلام الإسرائيلي على ‘الحرب على إيران’ حقيقة أم ابتزاز لمنع المزيد من الهزائم العامة، ومحاولة لفرض حرب إقليمية على واشنطن.. مسألة تستحق القراءة الهادئة..إلى لقاء قريب.
تاريخ : 3/11/2011م


